طليعة الت"/>
إبحث في الموقع
البحث في
عدد الزوار
انت الزائر :331266
[يتصفح الموقع حالياً [ 38
الاعضاء :0الزوار :38
تفاصيل المتواجدون

تفريغ خطبة طليعة التحذير من دين الخوارج وخطر التكفير

المقال
تفريغ خطبة طليعة التحذير من دين الخوارج وخطر التكفير
5963 زائر
31/08/2013
أبو حازم القاهري السلفي

طليعة التحذير

من دين الخوارج

وخطر التكفير

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1].

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ [الأحزاب: 70-71].

أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله -تعالى-، وخير الهُدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم- وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فإن الله -تعالى- خلق الإنسان لطاعته، ونصب له في ذلك شواهد الابتلاء والامتحان، وللشيطان في ذلك أوفر الحظ والنصيب، بفتنته وكيده، وتسويله وتلبيسه، الذي أقسم على القيام به منذ خلق الله الإنسان.

ومن أعظم مصايد الشيطان: إيقاعه الإنسان في إحدى فتنتين عظيمتين -كلما كلفه الله بشيء-، وهما: فتنتا الإفراط والتفريط؛ كما قال التابعي العاقل مخلد بن الحسين -رحمه الله-: «ما ندب الله العباد إلى شيء إلا اعترض فيه الشيطان بأمرين، ما يبالي بأيهما ظفر: إما غلو فيه، وإما تقصير عنه».

وسيتركز كلامنا على فتنة الغلو -خاصة-؛ تمهيدا للقضية التي سنتناولها -إن شاء الله-.

اعلم -رحمك الله- أن الغلو هو مجاوزة الحد، فما من تكليف شرعي إلا وله حد، قد بينه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فإذا تجاوز العبد هذا الحد بالزيادة والإفراط؛ فذلك الغلو الذي يريده الشيطان.

وقد بين الحق -سبحانه- أن شريعته شريعة وسط، لا غلو فيها ولا جفاء، كما في قوله -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: 143]، فبين -تعالى- أن هذه الأمة أمة وسط، وأن ذلك هو داعي شهادتها على الناس، ولا يكون الأمر كذلك إلا إذا كانت الشريعة المنزلة على هذا الأمة وسطا.

فهذه خاصة الشريعة والأمة: جادة مستقيمة وسط، اعتدال ويسر وسماحة؛ من غير إفراط ولا تفريط.

وحقيقة الوسط: ما دل عليه الشرع؛ فإن الشرع وسط -كما عرفت-، فكل ما جاء فيه فهو -إذن- وسط، لا يجوز أن يُدَّعَى فيه إفراط ولا تفريط، فإذا أردت أن تحكم على أمر معين: أهو وسط أم لا؛ فانظر: أجاء في دين الله أم لا، فإن رأيته قد جاء به الدين والشرع؛ فهو حقيقة الوسط، مهما نَبَتْ عنه الأسماع، ومهما استوحشه المستمع، ومهما شنع عليه أهل الزيغ والضلال بأنه تشدد أو رجعية أو نحو ذلك.

فلا تُعرَف الوسطية -إذن- بالعقول، ولا الآراء، ولا الأعراف، ولا الاستحسانات؛ وإنما تُعرَف بتحكيم شرع الله -عز وجل-.

ويقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، فالحرج الذي لا يطيقه الإنسان ولا يتحمله: منفي في الدين، لا وجود له فيه.

وتأمل في نظم الآية، إذ يقول -تعالى-: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾، فكلمة «حرج» هنا نكرة، وهي في سياق نفي، وقد سبقها حرف الجر «من»، زيادة في التوكيد والبيان؛ فهذا كله يدل -في لسان العرب- على انتفاء جميع صور الحرج -صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها-، فلا وجود لهذا الحرج في دين الله -تعالى- قط.

ويقول -سبحانه-: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، إنها إرادة الله -تعالى- الدينية الشرعية التي أمر بها عباده، وبمقتضاها يحب الله -عز وجل- المراد، فالله -تعالى- لا يريد بنا -دينا وشرعا- إلا كل يسر وسهولة وسماحة، ولا يريد بنا عسرا ولا مشقة ولا حرجا.

ويقول -تعالى- أيضا مؤكِّدا هذا المعنى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ﴾ [الإنسان: 28]، ويقول -جل وعلا-: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ ﴾ [البقرة: 220]، فالعنت -الذي هو المشقة الشديدة- لا جود له في دين الله -عز وجل-، ولو شاء الله -تعالى- لأوقعه بنا؛ ولكنه -بمقتضى رحمته وحكمته ولطفه بالخلق- لم يوقع بهم شيئا من ذلك؛ بل كانت تشريعاته كلها سهولة ويسرا وسماحة.

فهذا بعض ما يدل في كتاب الله -تعالى- على وسطية الشرع -في الجملة-، وهذا يبين لك أن الغلو لا وجود له في الشرع ولا أساس.

ومع ذلك؛ فقد نهى الله -تعالى- عن الغلو نهيا صريحا بيِّنا؛ كما في قوله -عز وجل- مخاطبا أهل الكتاب: ﴿ يَاأَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الحَقَّ ﴾ [النساء: 171]، وفي الآية الأخرى: ﴿ يَاأَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ ﴾ [المائدة: 77].

فنهى أهل الكتاب عن الغلو في الدين، ومعلوم أن لهم في هذا الغلو سبقا في مواطن شتى، أعظمها على الإطلاق: غلوهم في أنبيائهم وعلمائهم وعبادهم، حتى اتخذوهم أربابا من دون الله؛ كما ذكر الله ذلك عنهم في قوله: ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ﴾ [التوبة: 31]، وقال -تعالى-: ﴿ وَقَالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ [التوبة: 30].

هكذا وقع الغلو في هذه الأمة، وما وقع الشرك على ظهر هذه الأرض إلا بهذا الغلو.

فأول صورة وقع فيها الشرك: صورة قوم نوح -عليه السلام-، وقد كان شركهم مبدؤه غلوا في الصالحين، فقد كان فيهم أناس صالحون مجتهدون متقربون إلى الله -تعالى-، فلما ماتوا؛ صوَّروا لهم صورا، وعكفوا عليها، وعبدوها من دون الله -عز وجل-، فذلك مبدأ الشرك على ظهر الأرض، ما وقع إلا بالغلو.

ونهى الله -تعالى- أيضا في كتابه عن الطغيان؛ كما في قوله -عز وجل-: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا ﴾ [هود: 112]، والطغيان: مجاوزة الحد.

ونهى -تعالى- كذلك عن الاعتداء؛ كما في قوله -عز وجل-: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ [المائدة: 87]، والاعتداء -أيضا-: مجاوزة الحد.

ونهى -سبحانه- كذلك عن الإسراف؛ كما في قوله -تعالى-: ﴿ يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]، والإسراف -أيضا- مجاوزة الحد.

فهذه كلها أمثلة -في نظائر لها في كتاب الله -عز وجل-، تدلُّك دلالة بينة على ذم الغلو، والتحذير منه، والنهي عنه، وأنه لا أساس له في دين الله -عز وجل-، فكل صورة من صور الغلو: هي أجنبية عن الشرع، وكل من نسبها إليه فهو كاذب على الشرع.

لا بد أن تعرف هذا، وتوقن به، وتستحضره دوما؛ نسأل الله -عز وجل- أن يقينا الغلو وأهله.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

* الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إخوة الإسلام -رعاكم الله-! لقد اعتنى النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنهي عن الغلو، وبيان وسطية الدين والشرع.

وأقواله ومواقفه في ذلك كثيرة جدا، منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، وقد شرحنا هذا الحديث في خطبة مستقلة -ولله الحمد-.

وبمعناه: قوله -عليه الصلاة والسلام-: «بُعثتُ بالحنيفية السمحة»، الحنيفية ملة جميع الأنبياء، وأعظمهم إبراهيم -عليه السلام- في سياق نسبة الحنيفية إليه، فقد نسبها الله -تعالى- إليه -على وجه الخصوص- في كتابه الكريم، وأمرنا باتباع هذه الملة، وأمر كذلك نبيه الخاتم محمدا -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴾ [النحل: 123].

الحنيفية هي الإسلام الحق، هي الميل عن الشرك، والإقبال على الله بالتوحيد والإسلام، فالحنيف هو المائل المعرض عن الشرك، المقبل على ربه بالإسلام والتوحيد.

ولا تكون الحنيفية كذلك إلا إذا كانت سمحة، فليس هناك حنيفية سمحة، وحنيفية غير سمحة، فقوله -صلى الله عليه وسلم- هنا: «الحنيفية السمحة» ليس على وجه القيد، الذي يخرج ما عداه في الحنيفية، وإنما هي صفة كاشفة مبينة ملازمة للحنيفية، فلا تكون الحنيفية إلا سمحة.

صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة؟! فطرة الله، وما أحسن من فطرة الله؟! وما أحسن من دين الله؟! وما أحسن من شرع الله؟!

هذا الشرع المنزل، الذي جاء من عند الله -تبارك وتعالى- بخلوصه ونقائه وسماحته ويسره: لا يكون إلا سمحا سهلا، ولا يكون إلا موافقا للفطرة التي فطر الله الناس عليها.

فالحنيفية التي بُعث بها محمد -صلى الله عليه وسلم-، وإخوانه الأنبياء والمرسلون: لا تكون إلا سمحة سهلة ميسرة.

ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم- أيضا -مبيَّنا دعوته ومهمته التي بعث بها-: «إن الله لم يبعثني معنِّتا ولا متعنتا، وإنما بعثني معلما ميسرا».

اسمع، وتأمل، واعتبر! هذه بعثة نبيك -صلى الله عليه وسلم-، هذا دينك الذي تدين الله -تعالى- به.

«إن الله لم يبعثني معنِّتا» أي: أُحْدِث المشقة على الناس، «ولا متعنتا» أي: في نفسي، «وإنما بعثني معلما ميسرا».

هذا شأنه -عليه الصلاة والسلام- في دعوته، فما شأن من أراد اتباعه؟

يقول -صلى الله عليه وسلم-: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا»، ويقول -صلى الله عليه وسلم-: «إنما بُعثتم ميسِّرين، ولم تُبعَثوا معسِّرين».

فمن أراد اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- صدقا؛ فعليه أن يسير على هذه الجادة المستقيمة، وأما أصحاب العنت والغلو والمشقة والعسر؛ فليسوا من النبي -صلى الله عليه وسلم- في شيء، ومهما نسبوا غلوهم إليه؛ فهو كاذبون مفترون مباهتون، لا يُلتَفت إليهم، ولا يُؤبَه لهم.

وكما نهى الله -تعالى- نهيا صريحا عن الغلو؛ فكذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبيَّن أن الغلو هو موطن الداء الذي تهلك به الأمم.

يقول -عليه الصلاة والسلام-: «إياكم والغلو في الدين؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين».

هكذا يبيِّن -صلى الله عليه وسلم- وهو المعلِّم، والمعلِّم يعلم رعيته مواطن الداء؛ حتى يتجنبوها ويبتعدوا عنها، فكان -صلى الله عليه وسلم- سيد المعلمين وسيد الأنبياء، وكان يُعنَى -عليه الصلاة والسلام- في تعليمه بهذه الوظيفة المهمة، التي يجعلها أطباء البدن سر العلاج، فأطباء الأبدان يقولون: لا يتم علاج المرض البدني حتى يُتعرَّف على موطن الداء، ويُشخَّص تشخيصا سليما، فإذا وقع خلل في هذه المرحلة؛ فلا تأملنَّ في علاج المرض.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- دائما ما كان يعتني بهذا الأمر العظيم، دائما ما كان يعتني ببيان مواطن الأدواء؛ حتى يسهل علاجها وتجنبها.

«إنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين»، وهو -كما ذكرته لكم آنفا مجملا- السبب في هلاك الأمم حقا، فما هلكت الأمم -بالشرك أو البدع أو المعاصي- إلا من خلال الغلو في الدين، فهذا موطن جامع للداء، لو أحسنَّا فهمه وتناوله ومعالجته؛ فسيصير الأمر أيسر ما يكون.

وبمعنى هذا الحديث: يقول -صلى الله عليه وسلم- أيضا: «لا تشدِّدوا على أنفسكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد على أنفسهم».

ويقول -صلى الله عليه وسلم- أيضا: «هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون»؛ قالها ثلاثا؛ زيادة في بيان هذا الخطر والتحذير منه.

والمتنطعون هم المتعمِّقون المتكلِّفون، والكلمة مأخوذة من «النِّطَع» -وفيه لغات-، وهو أقصى الفم -من أعلى-، فكما أن أقصى الفم من أعلى فيه تعمُّق فيه؛ فالمتنطعون سُمُّوا كذلك لتعمقهم وإفراطهم وتكلفهم.

فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يذكر هؤلاء الغلاة، ويقول: إنهم هلكوا: هلكوا في أنفسهم؛ لأنهم يضلون عن الصراط المستقيم -ويحسبون أنهم يحسنون صنعا-، ويُهلكون كذلك غيرهم بإضلالهم إياهم عن الصراط المستقيم، وصرفهم إياهم عن الجادة القويمة.

فهذا بعض ما جاء في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- في التحذير من الغلو.

وكذلك اعتنى سلفنا ببيان هذا الأمر، فقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: «إياكم والتبدُّع، إياكم والتنطُّع، إياكم والتعمُّق، وعليكم بالدين العتيق».

نهى أولا عن الغلو -وهو جانب التخلية-، ثم أمر من بعد ذلك بلزوم الحق -وهو جانب التحلية-.

«عليكم بالدين العتيق»؛ أتدري ما الدين العتيق؟! إنه الدين الذي بُعث به محمد -صلى الله عليه وسلم-، ونقله الصحابة إلى الأمة، إنه الدين الذي كان موجودا آنذاك؛ فمن جاءك بدين جديد؛ فلا حاجة لنا فيه؛ لأن ديننا قد بُيِّن من قديم، بيَّنه الله -تعالى-، ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، فلسنا في حاجة إلى من يخترع لنا، ويبتدع لنا، ويُحْدِث لنا.

فمن أراد النجاة -حق النجاة- لاسيما في الفتن؛ فعليه بالدين العتيق، الدين العتيق هو الذي يفصل النزاع، ويحل الإشكال، ويرفع الخلاف؛ وكيف لا، وهي وصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! ألم يقل -عليه الصلاة والسلام-: «إنه من يعش منكم بعدي؛ فسيرى اختلافا كثيرا»؟

ما العلاج؟ «فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة»؛ بيَّن -صلى الله عليه وسلم- الداء، وبيَّن معه الدواء.

فيا من تريد النجاة! عليك بالدين العتيق؛ اصرف بصرك وعقلك وبدنك عن كل دين حديث، وكل فُتيا غير مسئولة، وكل قول يخبط خبط عشواء، ويُركَب به متن عمياء.

علاجنا في ديننا، علاجنا في شرعنا، علاجنا في تحكيم كتاب ربنا وسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم-.

ويقول الحسن البصري -رحمه الله-: «سنة نبيكم بين الغالي والجافي».

هناك طرف الغلو، وهناك طرف الجفاء، وفيما بينهما الوسط، الذي هو -كما عرفت- الدين والشرع، والدين والشرع هو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، السنة هي الإسلام، والإسلام هو السنة، لا نفرق بينهما، فكما أن الإسلام بين الغلو والجفاء، فكذلك السنة بين الغلو والجفاء، فمن أراد السنة حقا؛ فعليه بتجنب الطرفين، وعليه بلزوم الوسط.

ويقول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- في سياق ذكر الصحابة -رضي الله عنهم- وفضلهم ومكانتهم: «لقد قصَّر عنهم أقوام فجفَوْا، وطمح عنهم أقوام فغلَوْا، وإنهم -فيما بين ذلك- لعلى هدى مستقيم».

نفس المعنى: الصحابة -رضي الله عنهم-، الذين أُمرنا باتباع هديهم -كما أُمرنا باتباع الكتاب والسنة-: هم وسط بين الغلو والجفاء، وبين الإفراط والتفريط.

هكذا يتبين لنا -إخوة الإسلام- ذم الغلو، والنهي عنه، والتحذير منه؛ وقد تعرفنا على مثال واضح لذلك عندما تكلمنا على الرافضة -لعنهم الله-، وعرفنا كيف أدى بهم الغلو إلى الكفر بالله، والمروق من الدين.

وسنتناول قضية أخرى -إن شاء الله تعالى- لفرقة جديدة من فرق الغلو، وهي: الخوارج؛ وقد صار التعرض لهم ضرورة ماسة في هذا الواقع، الذي عاد فيه خطر التكفير وتوابعه.

فسنتعرف -إن شاء الله تعالى- على فرقة الخوارج، ونُلِمُّ -إجمالا- بدينها وعقائدها، ثم نخلص إلى قضية التكفير -التي هي أظهر سماتهم وعلاماتهم-، فنتعرض لها، ونبسط القول فيها، وننقض أصول القوم وشبهاتهم؛ ونسأل الله -تعالى- الإعانة والتوفيق.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتوفنا مع الأبرار، اللهم اكشف عنا الفتن، اللهم اكشف عنا الفتن، اللهم اكشف عنا الفتن، اللهم اكشف عنا الفتن، وارفع عنا المحن، اللهم اكشف عنا الفتن، وارفع عنا المحن، اللهم اكشف الغمة، وارفع المحنة، اللهم اكشف الغمة، وارفع المحنة، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين في كل زمان ومكان، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين في كل زمان ومكان، اللهم عليك بكل من يكيد للدين، اللهم عليك بكل من يكيد للمسلمين، اللهم من كاد لنا فكده، اللهم من كاد لنا فكده، اللهم من أراد بنا شرا فانتقم منه، واجعل كيده في نحره، واجعل تدبيره في تدميره، وقنا شرف وفتنته يا أرحم الراحمين.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

لتحميل الخطبة منسقة وبصيغة بي دي أف، اضغط هنا

للاستماع للمادة الصوتية أو تحميلها، اضغط هنا

   طباعة 
0 صوت
 
4055