|
الكرة! والدعوة! والتِّرِنْد!!
لتحميل المقالة منسقة، وبصغة بي دي أف، اضغط هنا
الحمد لله، وبعدُ.
كرة القدم -في ذاتها- لعبة مباحة، يسري عليها قانون اللعب المباح، لو أمكن العمل بها بالضوابط الشرعية، ومنها: عدم كشف العورات، وعدم إثارة العداوة والبغضاء، وعدم تضييع الواجبات، وعدم الإكثار من اللعب، وعدم أخذ جُعْل أو سَبَق، فضلا عن اتخاذها مهنة للتكسُّب.
ولا بد من التفريق بين هذه الصورة، وبين صورة (صناعة كرة القدم)، التي حوَّلَتْ هذه اللعبة من مجرد لهو ولعب إلى قضية عظيمة من قضايا البشرية! حيث لم يقتصر الأمر على مخالفة الضوابط المذكورة آنفا وغيرها، مما يعد وقوعا في محرمات صريحة؛ بل تحول الأمر إلى سيطرة على القلوب والعقول، وتحريك وحشد للجماهير، وتشكيل لوعي البشر وتفكيرهم وطموحاتهم، وتكريس العصبية والحزبية بصورة تتنافى حتى مع العقل الصريح والفطرة السوية، وكم أَثَّرَ هذا على البشر -مُسْلِمِهم وكافرهم-، حتى آل الأمر أحيانا إلى مذابح تُسفك فيها الدماء، وهَمَجِيَّات تُخَرَّب فيها المُقَدَّرات! وانظروا في حوادث الكرة المختلفة عبر تاريخها، في الملاعب وغيرها.
ناهيك عن المساس المباشر بالقضية الدينية الكبرى: الولاء والبراء مع الكفار، فكم أثَّرت الصناعة الكروية في تمييع العقيدة، ونشر المذهب الإنسانَوِي الإلحادي، الذي لا يكفِّر ولا يعادي أحدا من البشر؛ ومعلوم تماما أن الماسونية والصهيونية العالمية -بأذرعها المختلفة- لها حضور قوي في الصناعة الكروية، وتوجيه مباشر لها ومؤثر فيها؛ بل صارت الصناعة الكروية في السنوات القليلة الماضية مَحْفَلًا من أبشع المحافل المؤيدة للمِثْلِيَّة الجنسية، التي تأنف عنها البهائم، واتفقت على تحريمها الشرائع.
ولم يقتصر الأمر على هذا كله؛ بل إن الصناعة الكروية -بهذا الثقل والتأثير الرهيب- صار لها ولوج في سياسات الدول وقراراتها، كم من دولة عادت أختها بسبب الكرة! وكم من أزمة سياسية ودبلوماسية وقعت بين الدول بسبب الكرة! وكم من سياسات داخلية اتبعتها الأنظمة الحاكمة في داخل بلادها تحت ضغط الكرة!
كل هذه الحقائق الواضحة وضوح الشمس تجعلنا نفرق بين (الكرة)، وبين (الصناعة الكروية).
وهنا يأتي دور الداعية!
إن مما يؤسف له: أن تغيب الحقائق المذكورة والتفريق المذكور عن «دعاة» و«مشايخ»، من «المُعَمَّمِين» (!) و«الدكاترة» (!) وأضرابهم، ممن هم على مذهب من يُسأل عن الغناء المعروف الموجود في الواقع، فيجيب بفَذْلَكَتِهِ «المَمْحُونة» (!): الغناء كلام! حسنه حسن! وقبيحه قبيح!
وكذلك المُومَى إليهم: يتكلمون في الكرة الموجودة في الواقع -الصناعة الكروية- وكأنهم يتكلمون في مجرد مباريات الشوارع، أو مراكز الشباب! يتكلمون في اللعبة نفسها، لا في الواقع الذي يعيشه الناس من الصناعة الكروية، وما إليها!
ويزداد الأمر قبحا وشناعة عندما يتحول المُومَى إليهم إلى طالِبِي شهرة، ومُحِبِّي ظهورٍ يقصم الظهورَ، بتلك الصورة الممجوجة على وسائل التواصل: السعي إلى تَصَدُّر (التِّرِنْد)! وحَصْدِ الإعجابات والمشاهدات! فتراهم يلهثون خلف المباريات وأحداثها ونتائجها، ويعلقون عليها تعليقات يستنبطون (!) منها الفوائد والعبر!! وخصوصا لو وجدوا ما يمس قضية شرعية أو إسلامية تقع عَرَضًا في تلك المباريات ومَاجَرَيَاتِها!!
ويزداد القبح وتعظم الشناعة عندما تكون التعليقات طفولية ماجنة، لا تصدر إلا من صبي صغير، أو مجذوب من مجاذيب الكرة المساكين، الذين مَحَتِ الكرة قلوبهم، ومسخت عقولهم وتفكيرهم!
ولو شئتُ لذكرتُ أمثلة؛ ولكن اللبيب تكفيه الإشارة، والمتابعون للصفحات والقنوات يعلمون تماما صدق ما أقول.
فما هذا يا «مشايخ»؟! أهكذا تكون القدوة؟! أهكذا تكون حشمة العلم وأهله؟!
إنكم لا تسيئون إلى العلم والدين وإلى أنفسكم فحسبُ؛ بل تقوُّون قلوب المجاذيب على ما هم فيه، وتزيدونهم فتنة إلى فتنتهم، فتَبُوءُون بإثمهم وإثمكم.
اتقوا الله، والزموا جادة العلم والدين، واحترموا أنفسكم والشريعة التي تمثِّلونها، وانصحوا للمسلمين، ولا تغشوهم.
ألا إن الخَطْبَ جَلَلٌ خطير، ما هو بالهزل ولا اليسير، لا يفطن له إلا الموفَّق الراسخ البصير، ولا يُعَمَّى عنه إلا الميِّيع المخذول الشرير، والحكم لله وحده، هو العلي الكبير، عليه توكلنا، وإليه أَنَبْنَا، وإليه المصير.
كتبه
أبو حازم المصري
25/ محرم/1448
|