إبحث في الموقع
البحث في
عدد الزوار
انت الزائر :433794
[يتصفح الموقع حالياً [
الاعضاء :0الزوار :
تفاصيل المتواجدون

المختصر المفيد في إثبات حديث: «من استطاع أن يطيل غرته؛ فليفعل»

المقال
المختصر المفيد في إثبات حديث: «من استطاع أن يطيل غرته؛ فليفعل»
34 زائر
01-05-2021 08:26
أبو حازم القاهري السلفي

المختصر المفيد

في إثبات حديث: «من استطاع أن يطيل غرته؛ فليفعل»

عن النبي صلى الله عليه وسلم

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

أما بعد؛ فهذا كلام مختصر في إثبات حديث: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ؛ فَلْيَفْعَلْ» عن النبي صلى الله عليه وسلم، والرد على من قال من أهل العلم: إنه مدرج من قول أبي هريرة رضي الله عنه.

الحديث أخرجه البخاري (136)، ومسلم (246/35)؛ عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المُجْمِر: «رَقِيتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: « إِنَّ أُمَّتِى يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ؛ فَلْيَفْعَلْ».

ولفظ مسلم: «أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، حَتَّى كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِبَيْنِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتَّى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ» فذكره.

ومن هذا الوجه: رواه أحمد (15/104)، وابن حبان (1049)، والبيهقي (1/94)؛ ولفظ أحمد: «رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ، وَعَلَيْهِ سَرَاوِيلُ مِنْ تَحْتِ قَمِيصِهِ، فَنَزَعَ سَرَاوِيلَهُ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ، وَيَدَيْهِ، وَرَفَعَ فِي عَضُدَيْهِ الْوُضُوءَ، وَرِجْلَيْهِ، فَرَفَعَ فِي سَاقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: فذكره.

والحديث أخرجه مسلم (246/34)، والبيهقي (1/124)؛ عن عمارة بن غَزِيَّة، عن نعيم المجمر: «رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ، ثُمَّ قَالَ: «هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ»، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ إِسْباغِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكمْ؛ فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ».

فهذان ثقتان مشهوران، اتفقا على رواية الحديث عن نعيم المجمر، على أن الجملة التي فيها تطويل الغرة: من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

وخالفهما فُلَيْح بن سليمان.

فيما رواه أحمد (14/136) (16/454)، عنه، عن نعيم المجمر: فذكر الحديث بنحوه، ثم قال: قَالَ نُعَيْمٌ: لَا أَدْرِي قَوْلُهُ: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ»: مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أَوْ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ».

ومن هنا: قال بعض العلماء: إن هذه المقولة مدرجة في الحديث من قول أبي هريرة رضي الله عنه.

وقد اشتهر بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال -كما في «المجموع»- (1/279): «والوضوء الثابت عنه صلى الله عليه وسلم، الذي في الصحيحين وغيرهما، من غير وجه: ليس فيه أخذ ماء جديد للأذنين، ولا غسل ما زاد على المرفقين والكعبين، ولا مسح العنق، ولا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من استطاع أن يطيل غرته؛ فليفعل»؛ بل هذا من كلام أبي هريرة، جاء مدرجا في بعض الأحاديث، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم تأتون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء»، وكان صلى الله عليه وسلم يتوضأ حتى يشرع في العضد والساق، قال أبو هريرة: «من استطاع أن يطيل غرته فليفعل»، وظن من ظن أن غسل العضد من إطالة الغرة، وهذا لا معنى له؛ فإن الغرة في الوجه، لا في اليد والرجل، وإنما في اليد والرجل الحجلة؛ والغرة لا يمكن إطالتها؛ فإن الوجه يغسل كله، لا يغسل الرأس؛ ولا غرة في الرأس؛ والحجلة لا يستحب إطالتها، وإطالتها مثلة» اهـ.

وتبعه ابن القيم في «حادي الأرواح» (201)، ثم الألباني في «الضعيفة» (3/104) -ضمن بحث له-.

قلت: الكلام على هذا من جهة الرواية، والمعنى.

فأما الرواية؛ فقد قدَّمنا أن الذي روى الحديث كله على أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: ثقتان معروفان: سعيد بن أبي هلال، وعمارة بن غزية؛ كلاهما: عن نعيم المجمر؛ فهذا هو الأصل الذي نتمسك به، ولا ننتقل عنه إلا ببرهان بيِّن، والإدراج لا يثبت بالاحتمال؛ فمن الذي بيَّن الإدراج، أو أشار إليه؟

لم يأت ذلك إلا في رواية فليح بن سليمان: أن نعيمًا شك في ذلك الحرف؛ وفليح معروف بالضعف؛ فكيف يُقضى له على ثقتين؟! وإنما يُعرف الإدراج بورود الرواية المبينة له، إذا كانت من قِبل من يعتمد عليه، لا مثل فليح.

فإن قيل: إن الحافظ ابن حجر قال في «الفتح» (1/236): «لم أر هذه الجملة في رواية أحد ممن روى هذا الحديث من الصحابة، وهم عشرة؛ ولا ممن رواه عن أبي هريرة؛ غير رواية نعيم هذه» اهـ.

قلت: المقصود بذلك من روى الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه بذكر حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: «تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ»؛ وهذا لا يقدح في رواية نعيم المجمر؛ لأنه حكى واقعة شهدها -بنفسه- مع أبي هريرة، كان فيها ذكر الوضوء، والاستشهاد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهما واقعتان: إحداهما: التي حدَّث فيها أبو هريرة بحديث الحوض، واقتصر فيها على ما يناسب ذلك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. والثانية: التي شهدها نعيم، وحدَّث فيها أبو هريرة بما ناسبها من قضية إطالة الغرة.

فإن قيل: إن الإمام الدارقطني ذكر في «العلل» (8/170) رواية أبي صالح، عن أبي هريرة: «إنكم محشورون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل»، ورجَّح أنها موقوفة من قول أبي هريرة، فكان نعيمٌ بذلك مخالفا لأبي صالح.

قلت: إن أبا صالح وقف الحديث كله، لا الجملة -موضع النزاع- وحدها، فيلزم من رجَّحه أن يجعل الحديث كله موقوفا؛ وتذكر أن نعيما روى قصة وواقعة شهدها -بنفسه-، فهذا يدل على تثبته -قطعا-، فإذا أخذنا بزيادته في رفع الجملة الأولى؛ وجب أن نأخذ بزيادته في رفع الجملة الثانية؛ لأن الحديث واحد.

فإن قيل: إن العلامة الألباني أورد في بحثه المذكور آنفا من «الضعيفة» (3/107) حديث أبي هريرة الآخر، الذي توضأ فيه إلى الإبط، ولما أُنكر عليه؛ احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء»، ولو كانت عنده تلك الجملة: «من استطاع أن يطيل غرته فليفعل» من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاحتج بها مباشرة، ولم يلجأ إلى الاستنباط.

قلت: قد احتج بهذه الجملة -بعينها- أمام نعيم المجمر، فتُحمل الواقعة الأخرى على أنه نسي؛ وأي مانع من ذلك؟ كما أنه لم يحتج في تلك الواقعة -بعينها- بأصل الحديث: «إنكم تأتون غرا محجلين»، وقد كان يمكنه أن يفعل، ويستنبط منه -أيضا-جواز الإطالة في موضع الوضوء؛ ولكنه لم يفعل، ولم يكن ذلك دليلا على أن الحديث ليس عنده من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

فهذا تمام الكلام على جهة الرواية.

وأما جهة المعنى؛ فقد استند شيخ الإسلام رحمه الله إلى ظاهر رواية سعيد بن أبي هلال، في كون أبي هريرة رضي الله عنه جاوز الموضع في يديه ورجليه -فقط-، ثم قال: «من استطاع أن يطيل غرته»، والغرة إنما تكون في الوجه، لا في اليدين والرجلين.

ولكن قد جاءت رواية عمارة بن غزية، وفيها: «من استطاع أن يطيل غرته وتحجيله»، وفيها -أيضا- أن أبا هريرة غسل وجهه، فأسبغ الوضوء؛ وليس المراد بذلك الإسباغ الذي هو فرض؛ فإن هذا معلوم، لا فائدة من ذكره، وإنما الفائدة في القدر الزائد على ذلك؛ فتبين أن سعيد بن أبي هلال اختصر الرواية، واقتصر على بعضها؛ لأن العبرة هنا بالزيادة.

وهنا يقول الحافظ ابن حجر(1/236): «قوله: «فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل»، أي: فليطل الغرة والتحجيل، واقتصر على إحداهما لدلالتها على الأخرى، نحو: {سرابيل تقيكم الحر}، واقتصر على ذكر الغرة -وهي مؤنثة-، دون التحجيل -وهو مذكر-؛ لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان؛ على أن في رواية مسلم -من طريق عمارة بن غزية- ذكر الأمرين، ولفظه: «فليطل غرته وتحجيله» اهـ.

ويبقى الإشكال الآخر، الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وهو: أن الغرة -نفسها- لا يمكن إطالتها.

والجواب قال فيه الحافظ: «وقال ابن بطال: كنى أبو هريرة بالغرة عن التحجيل؛ لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله. اهـ. وفيما قال نظر؛ لأنه يستلزم قلب اللغة؛ وما نفاه ممنوع؛ لأن الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق -مثلا-؛ ونقل الرافعي عن بعضهم: أن الغرة تطلق على كل من الغرة والتحجيل» اهـ.

وعندي جواب أوضح، وهو: أن المقصود بإطالة الغرة -عند من قال بها من الفقهاء- غسل جزء من مقدم الرأس؛ فلا إشكال -إذن-؛ لأن أصل الغرة في الوجه، والزيادة قدر يسير، والكل يسمى «غرة» باعتبار الأصل الذي في الوجه، والزيادة التي في الرأس: تبعٌ؛ كما أنه لو افترضنا وقوع مثل ذلك في الفرس، فزادت غرته إلى أعلى رأسه؛ لم يمنع ذلك من إطلاق اسم الغرة عليها؛ وبالله التوفيق.

وأما قضية الزيادة في الوضوء إلى الآباط والرُّكَب؛ فهذه قضية أخرى، لا تفتقر إلى ثبوت الجملة -موضع النزاع-؛ فيقال: قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ؛ فَلْيَفْعَلْ»، وبيَّن ذلك بفعله، الذي هو: أنه توضأ حتى أشرع في العضد والساق؛ ولا يلزم من ذلك مشروعية الزيادة إلى الإبط والركبة؛ وشيخ الإسلام رحمه الله أقرَّ في كلامه السابق قضية العضد والساق، ولم ينكرها، وإنما أنكر الزيادة على ذلك.

فالحاصل: أنه لا موجب للانتقال عن الأصل الذي ثبت بروايات الثقات: أن مقولة: «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ؛ فَلْيَفْعَلْ» هي من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا هو مسلك الشيخين -رحمهما الله-، وهو الموافق لطريقة أهل الحديث -كما شرحتُ-.

هذا؛ وقد وردت هذه الجملة مرفوعة -أيضا- إلى النبي صلى الله عليه وسلم، من وجوه أخرى عن أبي هريرة؛ ولكنها كلها ضعيفة، لا حاجة للتطويل بذكرها؛ فالعبرة بما ذكرناه من رواية الشيخين.

والله أعلم؛ وصلى الله على نبينا محمد، وسلم.

كتبه

أبو حازم القاهري السلفي

الجمعة 18/رمضان/1442

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي