التحذير <"/>
إبحث في الموقع
البحث في
عدد الزوار
انت الزائر :545193
[يتصفح الموقع حالياً [
الاعضاء :0الزوار :
تفاصيل المتواجدون

تفريغ الخطبة التاسعة من التحذير من دين الخوارج وخطر التكفير

المقال
تفريغ الخطبة التاسعة من التحذير من دين الخوارج وخطر التكفير
3569 زائر
04/11/2013
أبو حازم القاهري السلفي

التحذير

من دين الخوارج

وخطر التكفير

(الخطبة التاسعة)

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مضل له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: 1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: 70-71].

أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله -تعالى-، وخير الهُدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

فإننا في مقامنا هذا نتعرض لجامع الشبهات التي يحتج بها الخوارج في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وقد عرفنا أنهم يعدون الحكم بغير ما أنزل الله كفرا مخرجا عن الملة بإطلاق، وعرفنا أن هذا خلاف الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة من أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر دون كفر، حكمه حكم المعاصي والذنوب، فلا يصير كفرا أكبر إلا بالجحود أو الاستحلال أو نحوهما.

فاعلم -رحمك الله تعالى- أن أصل مذهب الخوارج في هذه المسألة هو في عد الحكم بغير ما أنزل الله كعبادة غير الله، ومعلوم أن عبادة غير الله بالسجود أو الذبح أو النذر أو الدعاء أو نحو ذلك كفر وشرك ناقلان عن الملة، لا يفصل في شيء من ذلك بين جحود وغيره، فالخوارج اعتبروا الحكم بغير ما أنزل الله كمثل ذلك، اعتبروه في الأصل من المكفرات، والأفعال الناقلة عن الملة، فلم يجروا فيه التفصيل بين قضية وأخرى، ومسألة وأخرى، وجحود وغيره، فهذا هو أصل مذهبهم.

وقد عرفنا أن إجماع أهل الحق على خلاف ذلك، وأنهم لم يفهموا الآيات الواردة في هذه المسألة على ظاهرها، بل صرحوا أنها تفسر على غير هذا الظاهر، وأنها كمثل المعاصي، وأن المعاصي الواردة فيها كمثل المعاصي التي أطلق عليها اسم الكفر، وصرحوا -كما عرفنا- بنسبة الأخذ بظاهرها إلى الخوارج، فهذا هو أصل انحراف القوم.

وقد بنوا عليه انحرافا آخر، وهو يظهر بقوة عند معاصريهم ومتأخريهم، وذلك في إدخال قضية الحاكمية في أصل معنى التوحيد، فإنهم عمدوا إلى كلمة التوحيد -لا إله إلا الله-، ففسروها بالحاكمية، في أصلها وأساسها، فقالوا: لا إله إلا الله، أي: لا حاكم إلا الله، فجعلوا الإله هو الحاكم، وجعلوا الألوهية هي الحكم حتى صرح أميرهم ابن قطب بأن الحاكمية أخص خصائص الألوهية، وهذا غلط عظيم في اللغة والشرع على حد سواء، فإن الإله في اللغة هو المعبود المطاع، ولما بعث الأنبياء والمرسلون بكلمة التوحيد إلى أقوامهم ما كان نزاعهم معهم في قضية الحاكمية التي تتمثل في الأقضية والمنازعات، وإنما كان نزاعهم معهم في صرف العبادة لغير الله -عز وجل-، كان أحدهم يقول لقومه: ﴿ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾، وإذا اعتبرت بشأن مشركي قريش الذين بعث فيهم النبي الخاتم -صلى الله عليه وسلم-، فمعلوم لدى صغار المسلمين أنهم كانوا يخالفون في قضية العبادة، فكانوا يسجدون لغير الله، ويذبحون لغيره، وينذرون لغيره، ويستغيثون بغيره، فما كانت مخالفتهم في تحكيم غيره في الأقضية والمنازعات، وعليه؛ فصرف كلمة التوحيد إلى قضية الحاكمية بهذا المعنى أمر محدث، وبدعة شنعاء، ما أنزل الله بها من سلطان.

وفرق بين هذا، وبين كون الحكم من معاني لا إله إلا الله، فإنه لا نزاع بين أحد من المسلمين في أن تحكيم الشريعة أمر واجب، وفي أن الحكم لا يكون إلا لله -تعالى- شرعا وقدرا، ولا نزاع بين أحد من العلماء أن هذا من مقتضيات كلمة التوحيد، ولكنهم ينظرون إلى هذه القضية كنظرتهم إلى سائر الواجبات والمحرمات، فإن لا إله إلا الله تعني وتستلزم أن يطاع الله -تبارك وتعالى- في كل شيء، فيفعل ما أوجبه، ويتجنب ما حرمه، هذه القضية يقول فيها العلماء: من مقتضيات ومستلزمات كلمة التوحيد، يريدون بذلك ما شرحناه من قبل مفصلا في أن ترك شيء من الواجبات أو فعل شيء من المحرمات ليس بكفر، وإنما الذي يترك شيئا من الواجبات أو يفعل شيئا من المحرمات هو مخل بما تستلزمه لا إله إلا الله، ليس مخلا بما هو داخل في أصل لا إله إلا الله، ليس مخلا بأصل كلمة التوحيد بالمعني الذي يخرجه عن دائرتها ودائرة الإسلام.

فكذلك نظرة العلماء إلى قضية الحكم في أمور المنازعات والأقضية، ينظرون إليها على أنها من جملة واجبات الشرع التي تستلزمها كلمة التوحيد، فكما أن ترك شيء من الواجبات لا يوجب الخروج عن أصل كلمة التوحيد، فكذلك ترك الحكم بما أنزل الله لا يوجب الخروج عن أصل كلمة التوحيد.

والعلماء عندما يفسرون هذه الكلمة يفسرونها بمعناها اللغوي والشرعي، لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله، هذا هو المعنى في لغة العرب، وهذا هو المعنى الذي دعا إليه الأنبياء والمرسلون، وهذا هو المعنى الذي أنكره الكفار والمشركون، وخالفوا الرسل لأجله، فقالوا: ﴿ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴾ [ص: 5].

فلا بد أن نفرق أيها الإخوة الكرام بين كون الشيء من أصل لا إله إلا الله، وكونه من مستلزمات لا إله إلا الله.

فهذا انحراف خطير لدى القوم، يفسرون التوحيد بالحاكمية، ويقصرون الحاكمية على أمور المنازعات -كما سننبه عليه- فقادهم ذلك إلى بدعة عظيمة في دين الله -عز وجل-.

فهذا هو أصل انحرافهم وأصل مذهبهم الضال.

ومن شبهاتهم -أيضا- أنهم يقولون: إن من حكم بغير ما أنزل الله فقد نازع الله شيئا من خصائصه، ومن خصائصه الحكم، ومن نازع الله شيئا من خصائصه، فقد كفر.

فنقول: المنازعة المكفرة هي المنازعة في خصوصية الرب، فما هي خصوصية الرب في شأن الحكم؟ قال أهل العلم: ربنا -سبحانه وتعالى- هو المتفرد بالتحليل والتحريم، وهو المستقل بالتشريع، هذه هي خصوصية الله -سبحانه وتعالى- في هذه المسألة، فمن نازع الله في شيء من ذلك، فلا إشكال في كفره، من زعم أن غير الله -تعالى- يستقل بالحكم والشرع وابتداء، من غير أن يتقيد بشرع الله -عز وجل- أصلا، ومن زعم أن غير الله -تعالى- يحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، على حسب إرادته ومشيئته دون تقيد بشرع الله -عز وجل- أصلا، فهذا أمر لا إشكال في حصول الكفر به عند جميع العلماء؛ لأنه يعود إلى نوع من أنواع الكفر التي ذكرناها، وهو كفر الإباء أو الاستكبار أو نحو ذلك.

وأما الذي يخالف حكم الله -عز وجل- في مسألة ما، أو قضية ما، فلا يصدق عليه أنه نازع الله في حكمه وخصوصيته، حكم الله -عز وجل- في مسألة ما بكذا، فجاء شخص فلم يعمل بهذا الحكم، خالفه، لم يطبقه، ولم يدع لنفسه أنه ينازع الله -تعالى- في التحليل والتحريم، ولم يدع لنفسه أنه يشرع ما يشاء، ويحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، فهذا عند العلماء ترك لواجب، ليس منازعة لله -سبحانه وتعالى- في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.

وندلل على ذلك فنقول: قال الله -عز وجل- كما في الحديث الإلهي: «العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني شيئا منهما عذبته»، فهل المستكبر كافر؟ الجواب: لا، وهل الفخور كافر؟ الجواب: لا، وهل المتعزز كافر؟ الجواب: لا.

ويقول الله -تعالى- أيضا كما في الحديث الإلهي، أو الحديث في بدايته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن التصوير وتحريمه، وأن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون، قال -صلى الله عليه وسلم-: «يقول الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، فالله -سبحانه وتعالى- يقول في شأن المصورين، الذين يصورون الكائنات، كمثل الذين يصنعون التماثيل مثلا، يقول الله -تعالى- في شأنهم: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي»، فهل الذين يصنعون التماثيل مثلا ينازعون الله -تعالى- في خصوصيته فيكونون بذلك كفارا؟ الجواب: لا؛ لأن خصوصية الله -تعالى- في الخلق هي الابتداء من العدم، الله -سبحانه وتعالى- خلق السماء من العدم، أكانت السماء موجودة؟ كلا، فالله -تعالى- خلقها من العدم، وخلق الأرض من العدم، وخلق البشر من العدم، وخلق الجن من العدم، وهكذا، وأما الذي يأتي بأشياء قد خلقها الله -تعالى- فيشكلها ويصورها، فهذا لم ينازع الله -تعالى- في خصوصيته حتى نحكم بكفره، والقضية -كما شرحنا لحضراتكم- قضية سوء فهم، فما أوتي الخوارج إلا من سوء فهمهم وجهلهم وضلالهم.

فهذا هو الجواب عن قضية المنازعة.

ومن شبهاتهم -أيضا- أنهم يتكلمون في نوع من أنواع الشرك يقال له: شرك الطاعة، وشرك الطاعة: هو طاعة غير الله -عز وجل-، من أطاع غير الله -تعالى- كائنا من كان، فقد أشرك بالله في طاعته، ولكن كما أن الكفر كفران، فالشرك شركان، هناك شرك أكبر ينقل عن الملة، وهناك شرك أصغر لا ينقل عن الملة، فالعلماء يقولون: من أطاع غير الله -تعالى- في أي أمر من الأمور، فقد وقع في لون من الشرك.

ولكن هذا الشرك ينقسم بحسب طاعة هذا المخلوق:

فإن أطاع المخلوق على وجه الاستقلال بالطاعة، على وجه عدم التقيد بالشرع أصلا، وأنه يسعه ذلك، ومن أطاع المخلوق في تحليل الحرام، أو تحريم الحلال مع تغير الاعتقاد في قلبه، فالأمر -عندئذ- شرك أكبر، فالله -سبحانه وتعالى- مثلا حرم الخمر، فمن أطاع مخلوقا في شربها واستعمالها، وهو يعتقد أن الخمر حلال، فتغير اعتقاده تبعا لطاعته للمخلوق، فهذا يكفر، لماذا؟ لأنه استحل، وقد تكلمنا على الاستحلال.

وأما الذي يطيع مخلوقا في معصية الله، لا يعتقد فيه الاستقلال بالحكم والتشريع، ولا يتغير اعتقاده في قلبه، فهذا هو العاصي المذنب الآثم الذي لا يخرج عن ملة الإسلام -كما عرفنا-، زوجة تزين لزوجها أن يسرق، تقول له: الحالة ضيقة، والأمور صعبة، والأرزاق ضيقة ولا تكفي، فعليك أن تشبعنا وعليك أن تكسينا وعليك كذا وكذا، فيطيعها فيسرق، أيكفر؟ الجواب: لا؛ لأنه أطاع في معصية، أطاع مخلوق في معصية لله -عز وجل- من غير أن يتغير اعتقاده في قلبه، فهذا هو العاصي المذنب.

فالقول في شرك الطاعة هكذا، لا بد أن يكون على هذا التفصيل، وأما الخوارج قديمهم وحديثهم فليس عندهم شيء من ذلك، يقولون: من أطاع غير الله -تعالى- كفر، وبالتالي، فمن تحاكم إلى غير الله -تعالى- كفر، فنقول لهم: العاصي يطيع الشيطان، لا شك في ذلك، العاصي المذنب يطيع الشيطان، يطيع نفسه الأمارة بالسوء، يتبع هواه وشهوته، أيكفر بذلك؟

ولهذا كان الخوارج الأولون أقعد في مسألة الحكم من المتأخرين؛ لأنهم قالوا: العاصي حاكم بغير ما أنزل الله -وهو كذلك-، العاصي -فعلا- حاكم بغير ما أنزل الله، يطيع غير الله، يتبع غير شرع الله، يتخلف عن حكم الله، فالخوارج كفروا العصاة، بناء على تكفيرهم بقضية الحكم، وأما المعاصرون المضطربون الجاهلون فيقولون: نحن لا نكفر العصاة، ولكننا نكفر من حكم بغير ما أنزل الله، فنقول لهم: العاصي حاكم بغير ما أنزل الله، وسننبه على هذا بعد قليل -إن شاء الله-.

فالقول -بارك الله فيكم- في شرك الطاعة هو هكذا، ليس كل من أطاع غير الله -تعالى- كان مشركا كافرا خارجا عن دينه، نسأل الله السلامة والعافية من كل فتنة.

أقول ما تسمعون، ويغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمد عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أنتقل بعد ذلك -إخوة الإسلام- إلى قضية العصر في مسألة الحكم، وهي قضية القوانين الوضعية، وهي التي يقال لها: التشريع العام، هكذا يقال لها عند المتكلمين بها، وعند الباحثين فيها، والمراد بذلك عندهم تلك القوانين التي توضع بغير إذن من الله، وتخالف حكمه وشرعه -جل في علاه-.

وبداية نوضح -كما أوضحنا كثيرا- أن تحكيم غير الشريعة إثم عظيم، وذنب كبير، وجريمة فاضحة، لا يقر شيء منها أبدا عند أهل العلم والإيمان، وسيعرف الجميع قدر الشريعة عندنا، وقدر التحكيم المذكور عندنا عندما نكالم بني علمان، فاصبروا، وإنما نتكلم هنا في قضية الكفر وعدمه، في قضية الإسلام وعدمه، لا بد أن نفرق بين المقامين -كما نبهت عليه مرارا-.

فلا إشكال عند جميع المسلمين، وعند جميع العلماء في أن هذه القوانين الوضعية التي تخالف الشرع إثم عظيم، وذنب كبير، لا يجوز شيء منها قط، خرج بذلك من سن قانونا يوافق الشرع، فهذا لا إشكال عندنا فيه، وإنما الإشكال في القوانين التي تخالف شرع الله -عز وجل-، لا إشكال في هذا النوع في كونه إثما عظيما وكبيرة من الكبائر، وإنما القضية عندنا في الكفر وعدمه.

فالمعاصرون يقولون: من حكم بغير ما أنزل الله في قضية عينية لشخص، فليس بكافر، ومن حكم بغير ما أنزل الله في قانون عام يشمل أمور الناس أجمعين، فهو الكافر.

نقول: هذا تفريق ما أنزل الله به من سلطان، لا سيما وأنتم تقولون: الحكم بغير ما أنزل الله في أصله كفر، فهل يفرق في أمر كذلك بين قضية جزئية وقانون عام؟ مثلا: هم يقولون: الحكم بغير ما أنزل الله كعبادة غير الله، فنقول: من دعا غير الله -تعالى- دعاء عبادة، أيفرق فيه بين دعاء واحد وبين أدعية كثيرة؟ أيفرق فيه بين قضية جزئية وبين شأن عام مطرد؟ الجواب: لا؛ لأن القاعدة عند أهل السنة والجماعة في المكفرات أنها كفر في أصلها، لا يفرق فيها بين نوع ونوع، هي في أصلها وجنسها كفر، فالمعاصرون جهال، يريدون أن يوفقوا بين مذهب أهل الحق ومذهب أهل الباطل، وهذا لا سبيل إليه.

من جمع بين الحق والباطل لا بد أن يصير في نهاية أمره إلى الباطل، فهم يقولون: الحكم في جزئية معينة ليس بكفر ينقل عن الملة، وينزلون على ذلك أقوال السلف، وأما الحكم في القوانين العامة فهو الكفر الذي ينقل عن الملة، نقول: كلا، وليس هذا بقول أهل العلم المعتبرين، فقد تطابقت أقوالهم في هذه النازلة التي يقال لها: القوانين الوضعية على أنها يفصل فيها بين الجحود ونحوه، وبين غيره؛ كالشأن في أصل الحكم بغير ما أنزل الله، ولا عبرة بمن خالف ذلك فأخطأ، هذا خطأ يرد عليه، وإنما المعلوم المعتبر الشائع في فتاوى أهل العلم هو هذا.

ونحن نقول لهم: من الذي أوجب عندكم حصول الكفر في القوانين العامة والتشريعات العامة؟ يقولون ردا علينا: هذه قرينة على الاستحلال، فنقول لهم: رجعنا -إذن- إلى شأن القرائن، وقد ذكرنا لكم من قبل أن القرائن لا يعتبر بها في هذا الباب، لا يتوصل إلى الاستحلال إلا بأمر واضح وصريح، وأما القرائن الحالية أو نحوها فلا يعتمد عليها في هذا الباب كما شرحنا.

ثم يقال لهم: ما شأنكم تقصرون قضية الحكم، وهي القضية الجليلة العظيمة على أمور المنازعات والأقضية؟ هل هذا فقط هو الحكم بما أنزل الله؟ هل الحكم بما أنزل الله فقط في إقامة الحدود على أهلها؟ أو عقوبة الجناة؟ أو تعزير من يستحق التعزير؟ هل الحكم بما أنزل الله هو فقط في أمور المحاكم؟ كلا، الحكم بما أنزل الله في أمور الحدود، والعقوبات، والتعزيرات، والأقضية، والمنازعات، وهو أيضا في أمور العقائد، والأعمال، والأخلاق، والسلوكيات، هذا كله دين الله -عز وجل-، هذا كله فيه أحكام من الله -تبارك وتعالى-، وأنتم أنفسكم تخالفون حكم الله -تعالى- في عقائدكم، وفي أعمالكم، وفي أخلاقكم، وفي سلوكياتكم، ولا تستطيعون لذلك إنكارا، فما القول؟

هل من الحكم بما أنزل الله أن يعبد غير الله؟ هل من الحكم بما أنزل الله أن يطاف بالأضرحة والمشاهد وتقدم لها القرابين وتنذر لها النذور؟ هل من الحكم بما أنزل الله أن يقال إن الله في كل مكان، فلا ينزه عن الحشوش والأكنفة والأماكن المستقذرة؟ هل من الحكم بما أنزل الله أن تبتدع البدع وتحدث المحدثات في أمور العبادات وغيرها؟ هل من الحكم بما أنزل الله أن يترك الحجاب بالنسبة للنساء وأن تسفر من بيوتها وتختلط بالرجال وتشارك في العملية السياسية؟ هل هذا من الحكم بما أنزل الله؟ فما شأنكم تحورون هذه القضية الجليلة وتختزلونها في إقامة الحدود، فمتى أقيمت الحدود فقد قامت الشريعة، ومتى تخلفت الحدود فقد تخلفت الشريعة، أي شيء هذا؟ هذا تفريق وتحكم، ما أنزل الله به من سلطان.

على الذين يدعون إلى تحكيم الشريعة -ونحن منهم ولا نخالفهم- علينا جميعا أن نبدأ كما بدأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا بد من تحكيم الشرع في العقائد، والأعمال، والأخلاق، والسلوكيات، لا بد من تحكيم الشرع في بيوتنا، وفي مساجدنا، وفي عائلاتنا، وفي طرقنا، وفي مواصلاتنا، وفي مؤسساتنا، وهيئاتنا، لا بد من هذا كله، فإذا فعلنا ذلك قامت الحاكمية بالمعنى الذي يريدونه هم، وهو معنى الدولة، وأما أن تعكس الآية، ويقلب الهرم، فهذا أمر مخالف لبديهة العقل والفطرة.

وفي الختام نقول: سنسلم لكم أن التشريعات العامة، والقوانين الوضعية كفر أكبر، فهل كل من يقع في الكفر يصير كافرا؟ هذا هو الأصل الثاني في انحرافهم الذي سنعالجه -إن شاء الله تعالى-، وهو عدم النظر في الشروط والموانع عند تكفير المعين، فليس كل من وقع في كفر كان كافرا، قد يقع الشخص في كفر وهو جاهل، وهو مخطئ، وهو متأول، وهو مكره، فيعذر بذلك ولا يحكم بكفره.

فنقول لهم: أنتم تريدون في المقام الأول تكفير فلان، وفلان، وفلان، فليست المسألة عندكم مجرد التكفير بالنوع، وإنما أنتم تريدون وتسعون أصالة إلى تكفير الأعيان والأشخاص والأفراد، فهذا غلط، وليس بصحيح، لو سلمنا لكم أن ما يقعون فيه من القوانين ونحوها كفر مخرج عن الملة، فلا بد من النظر في أحوالهم، أهم جهال أم لا؟ أهم متأولون أم لا؟ أعندهم شبهات وتلبيسات أم لا؟

ألستم تسمعون يا عباد الله من علماء السوء وشيوخ الضلالة الذين يتصدرون في المؤسسات الرسيمة ويفتون في الأزهر وغيره، ألستم تسمعون أنه يجوز للحاكم ألا يحكم بالشريعة؟ لماذا؟ يقولون: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لم يطبق حد السرقة في عام الرمادة، انظر هذه شبهة، يتلقفها الحاكم أو غيره فيقول: نعم، وأي إشكال؟ هذه قضية تختلف باختلاف الأحوال والزمان والمكان.

ونحن نقول ردا على هذا: عام الرمادة هذا كان عام مجاعة، وهذا معروف، حصلت مجاعة في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه- فكان من يسرق يسرق مضطرا حتى يأكل؛ لئلا يموت، لأجل هذا لم يقم عليه الحد، وأما الذي يسرق الآن وهو شبعان فكيف لا يقام عليه الحد؟ كيف لا تطبق عليه العقوبة؟ كيف يقارن هذا بمن كان في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه-؟ فالقوم يأتون من هذه الشبهات فانتبهوا، فلا بد من إقامة الحجة، وإزالة الشبهة، ورفع الجهالة حتى يحكم بتكفير الأعيان، وأما التسرع في ذلك فأمر ما أنزل الله به من سلطان، ولا أصل له في دين الله -عز وجل-.

هذا هو حاصل الكلام باختصار على قضية الحكم، وهي قضية أجل من ذلك بكثير، وكما ذكرت لكم عندما ننتقل إلى المعسكر الآخر، معسكر بني علمان، سنتكلم على الشريعة كلاما عظيما، جليلا، نعرف به قدرها، ومكانتها، وأنه لا صلاح لنا إلا بها، لن تقوم لنا قائمة أبدا، ولن يرتفع ما بنا من الفتن أبدا إلا أن نحكم شرع الله -عز وجل- في الصغير والكبير، في أخلاقنا، ومعاملاتنا، وعباداتنا، وعقائدنا، الشريعة رحمة كلها، وعدل كلها، وحكمة كلها، ومصالح كلها، وفلاح كلها، في كل شيء، في العقائد والعبادات، في المعاملات والسلوكيات والأخلاق، فمتى فعلنا ذلك، سيرتفع ما بنا، وسنعود إلى عزنا ومكانتا، وسنصير عبادًا لله -تعالى- على الحقيقة التي ترضيه -جل في علاه-.

نسأل الله -عز وجل- أن يوفقنا لهذه الغاية العظيمة، وأن يكشف عنا الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن، وأن يحيينا على الإسلام والسنة، ويميتنا على الإسلام والسنة، وأن لا يخذلنا في شيء من أمور ديننا، ولا يفتتنا أبدا بمنه ورحمته وكرمه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

لتحميل الخطبة منسقة وبصيغة بي دي أف، اضغط هنا

للاستماع للمادة الصوتية أو تحميلها، اضغط هنا

   طباعة 
0 صوت