هل كان القطبيون على حق في مسألة (فقه الواقع)؟!
هل كان القطبيون على حق في مسألة (فقه الواقع)؟!
هل كان القطبيون على حق في مسألة (فقه الواقع)؟! الحمد لله، وبعدُ. مسألة «فقه الواقع» لها أهمية خاصة…
https://abohazm.com/?p=7002&post_type=islamic_article
هل كان القطبيون على حق
في مسألة (فقه الواقع)؟!
الحمد لله، وبعدُ.
مسألة «فقه الواقع» لها أهمية خاصة في النزاع مع الفكر القطبي؛ لأنها هي المسألة التي بزغ بها قَرْنُ القطبية على العلن، وتميزت بذلك تميُّزًا ظاهرا عن سائر أهل السنة.
لقد بزغ ذاك القرن في أزمة الخليج، عام 1410هـ/1990م تقريبا، عندما اجتاح طاغية «البعث» صدَّام حسين دولة (الكويت)، وخُشِيَ من اعتدائه على الحجاز، فرأى علماء الحجاز آنذاك أن يستعينوا بالقوات الأجنبية الكافرة لحماية البلاد، وصَدِّ العدوان البَعْثي المحتمل، وأصدروا بذلك فتاوى رسمية معروفة.
وحينها نَجَمَ طائفة من الدعاة، كسفر الحوالي، وسلمان العودة، وناصر العمر، وعائض القرني -قبل تحوُّله-؛ رفضوا تلك الفتاوى، ولم يكتفوا بمجرد تخطئة العلماء مع حفظ مقامهم -كما كان مسلك الشيخ الألباني وقتها-؛ بل طعنوا فيهم طعنا صريحا، وأسقطوا مرجعيَّتهم، تحت ادعاء «الجهل بالواقع»، وأرادوا بذلك «الواقع»: الواقع السياسي، الذي يُدرك بالعلم بالسياسة، والإحاطة بتفاصيلها وأخبارها.
ومن ساعتها نَجَمَتْ مسألة «فقه الواقع»، وتَبَلْوَرَ الفكر القطبي بشأنها في هذه النظرية:
فقه الواقع السياسي هو سمة العالم العَصْري، فالعالم حقا والفقيه صدقا هو الذي يكون بصيرا بالواقع السياسي، مُطَّلِعًا على أحوال السياسة، قادرا على الاستنباط والتحليل والتوقُّع، عارفا بمكايد الأعداء ومؤامراتهم على الإسلام والمسلمين، ومن فرَّط في ذلك؛ فعنده قصور عن الكمال الواجب في العالم في هذا العصر، وغاية شأنه أن يُرجع إليه في المسائل الشرعية الصِّرْفة في الاعتقاد والأحكام؛ لكن لا يُرجع في تلك المسائل «الحساسة»، القائمة على الدراية بـ«الواقع».
وبالغُلُوِّ في هذه النظرية: نَجَمَتْ آثار ونتائج، منها:
1- الطعن الصريح في العلماء، والتزهيد فيهم، وسحب البساط من تحت أقدامهم؛ ليوضع تحت أقدام «الدعاة» «فقهاء الواقع».
2- التزهيد في العلوم الشرعية نفسها، والاعتناء بالسنة نفسها، إلى درجة الاستنكار الواضح للانشغال بتعلم العقيدة والفقه والحديث، وتحقيق المسائل الشرعية والأحاديث النبوية، على حساب الانشغال بـ«الواقع»، و«الفقه العصري».
3- عدم الاقتصار في إيجاب ذلك «الفقه» على أهل العلم الشرعي؛ بل إيجابه على عامة الناس، وشَغْلُهم به.
وربما أدخلوا في «فقه الواقع» أيضا: الإنكار على الحكام والحكومات، ونقد قراراتهم على الملأ، بالأسلوب الحماسي التهييجي المعروف.
والهدف الحقيقي الذي يصبو إليه الفكر القطبي من «فقه الواقع»: استبدال المرجعية، وجمع الشباب -خاصة- حول مرجعية أخرى بديلة عن العلماء الكبار المعروفين، وهذا هو ما يخدم الأهداف الحقيقية للقطبية، فإن هذا الفكر قائم -أصالة- على طموحات وأغراض سياسية، بمنازعة ولاة الأمر، والسعي للخروج عليهم، بدعوى إقامة الدولة الإسلامية؛ هذا هو الهدف الأعظم والغاية الكبرى، وفي سبيلها يفعلون ما يمكنهم من تجميع الشباب، والتأثير والسيطرة عليهم، حتى إذا سنحت الفرصة -في تصوُّرهم-؛ اغتنموها، وقد رأينا هذا واقعا ملموسا في فتنة الجزائر -«العَشْرِيَّة السوداء»-، ثم فتنة الثورات التي ضربت العالم الإسلامي، فيما يُعرف بـ«الربيع العربي»!
وعلى هذا؛ فهم يعلمون تماما أن العلماء لا يوافقونهم في مسعاهم، وأنهم حَجَرُ عَثْرَةٍ في طريقهم، فكان لا بد من صرف الشباب عنهم، وتزهيدهم فيهم، وتلقين الشباب: أن العلماء أصحاب تخصصات شرعية بحتة، وأما الأمور العظيمة الدعوية والسياسية فليست إليهم، وإنما هي إلينا نحن -أعني القطبيين-، فنحن أدرى بها من العلماء، والواجب على الشباب أن يرجعوا فيها إلينا.
وبهذا: جازت المظاهرات والثورات، وجاز الدخول في العمل السياسي، وجاز الجهاد في بقاع شتى من أرض الإسلام المكلومة؛ كل هذا تحت ادعاء: أن هذه هي «مسائل الواقع»، ونحن -أعني القطبيين- أدرى بها من العلماء، فالقول فيها قولنا، والفتوى فتوانا.
هذا حاصل التصور القطبي لمسألة «فقه الواقع»، وهو تصور منحرف مبتدَع، من وجوه عديدة، بُسطت في مقامات أخرى، ويعرفها شباب السنة المستقيمون -ولو في الجملة-، والمقصود هنا بيان ذلك التصور؛ لأجل تحقيق الفرق بينه وبين أمر آخر، هو لبُّ هذا المقال، وجوهرُه.
فاسمعوا يا أهل السنة! وَعُوا!
إن النزاع مع القطبية لم يكن أبدا ولن يكون في «فقه الواقع» الشرعي، القائم على الدراية بظروف الفتوى، وحال المستفتي؛ بل هذا «الفقه» شرط في العالم، لا يجوز لأحد أن يتصدر للإفتاء إلا به، وللإمام ابن القيم -رحمه الله- كلامه المعروف في ذلك في «إعلام الموقعين»، والمقام مُسْتَغْنٍ عن التقرير والتأصيل.
يجب على المتصدر للفتوى إذا عُرضت عليه مسألة -أيُّ مسألة- أن يكون مُلِمًّا بواقعها وواقع السائل عنها، يجب عليه أن يكون عارفا بالظروف، والعرف، واستيفاء الشروط، وانتفاء الموانع، والموازنة بين المصالح والمفاسد؛ سواء كان ذلك يعود إلى واقع عام، في عرف البلد الذي يعيش فيه السائل، أو إلى واقع خاص، في ظروف خاصة بالسائل.
وإن كانت المسألة المعروضة على المتصدر لها صلة قوية بالسياسة، وتحتاج حقًّا إلى إلمام بالواقع السياسي، والمتصدر ليس من أهل السياسة؛ فلا يحلُّ له الإفتاء فيها، ويجب عليه الانكفاف، وتوسيد الأمور إلى أهلها.
ومن أعظم المسائل التي تحتاج إلى دراية بالواقع: مسألة الجهاد؛ فإن الجهاد لا يقوم إلا على قدرة واستطاعة، والقدرة والاستطاعة مسألة واقعية، ليست نظرية بحتة، فلا بد من التأكد أن الطائفة التي ستجاهد قادرة على الجهاد فعلا، في الواقع، وعلى الأرض،
لا بمجرد قوتها النظرية، وهذه المسألة تفتقر إلى حسابات عسكرية -في المقام الأول-،
لا شأن لأهل الدين بها -ابتداء-.
وأهمُّ تلك الحسابات العسكرية: النظرُ إلى طبيعة ميدان المعركة، وتأمين خطوط الإمداد، ومدى قدرة الطرف المقاتل على استيعاب ردود عدوه، وحماية نفسه منها، والنظرُ إلى خريطة التحالفات: مَنْ حليفُ عدوِّه؟ وإلى مدى يمكنه مساعدته؟ وهل يستطيع الطرف المجاهد التعامل مع تلك المساعدة أو مُجاراتَها؟
إن الطرف المقاتل قد يكون أقوى من عدوه بكثير؛ ولكن نظريا فقط، فلا يقدر على هزيمته على الأرض؛ نظرا لطبيعة الميدان، في كون عدوه متحصِّنًا منه في جبال مثلا، ويستحيل عليه اقتحامها، ولا يؤثر فيها الرمي من بعيد -ولو بسلاح الطيران المعروف في هذا العصر-؛ أو نظرا لطول خطوط المواصلات والإمداد والتموين، بحيث يصعب عليه حمايتها وتأمينها؛ أو نظرا لكون عدوه يملك من وسائل الردود ما لا يمكنه التعامل معه؛ أو نظرا لكون عدوه له حلفاء أقوياء، لا قدرة للطرف المقاتل على مواجهتهم، أو مجاراة دعمهم لعدوه؛ إلى غير ذلك من حسابات يعرفها أهل الشأن.
ومن هنا نفسِّر إحجام قوى عظمى في عصرنا هذا عن مقاتلة كيانات أضعف منها بكثير، كتلك التي تُعرف بـ«الميليشيات» [الجماعات المقاتلة غير النظامية]، وقد رأى العالم ما وقع لـ(أمريكا) -أقوى دول العالم!- في (فيتنام)! وقد تحجم تلك القوى عن مقاتلة جيوش نظامية -أيضا-، هي أضعف منها بكثير -أيضا-؛ وكل ذلك نظرا لما شرحتُ بعضه من الحسابات العسكرية.
وأنا أتكلم الآن في أوج الحرب على الكيان الرافضي في (إيران)، التي ابتدأتها (أمريكا)، ومعلوم أن (أمريكا) تملك من الآلة الحربية ما تستطيع به سحق الجيش الإيراني؛ ولكنها تلك الحسابات التي ذكرتها.
كان هذا استطرادا لا بد منه، وأعود إلى المقصود من حديثي، فأقول:
إننا نجد «المفتي» يفتي بالجهاد؛ اغترارا منه بالقوة النظرية الإجمالية لدى الطرف الذي أفتاه بالجهاد، وينسى -أو يتناسى- تلك الحسابات التي ذكرناها، ويَقْبُح به الأمر جدا عندما يتبين تصديق تلك الحسابات في الواقع، فنجد أثناء المعركة بالفعل أن الطرف الأقوى نظريا غير قادر على تحقيق النصر عمليا وواقعيا، بل قد يتفوق عليه الطرف الأضعف! ويهزمه هزيمة منكرة!! ورغم ذلك، لا يزال «مُفْتِينَا» يفتي بالجهاد مع الطرف الأقوى! الذي هو -في الواقع- الطرف الأضعف المهزوم!! أيًّا كانت المسوِّغات التي تدفع ذاك «المفتي» إلى «إفتائه» ذاك!!
فهل يستقيم هذا في عقل أو شرع؟!
ثم تأتي ثالثة الأَثَافِي، لو واجهنا ذاك «المفتي» بتلك الحقائق، فقال لنا: أنتم قطبيون! أو وافقتم القطبيين! أو قلتم بـ«فقه الواقع»!
ومن قال هذا؛ فلا هو عرفنا! ولا عرف القطبيين! ولا عرف «فقه الواقع»!
ولله في خلقه شؤون!
يا أهل السنة! إن نزاعنا مع القطبيين قد أوضحناه، و«فقه الواقع» الذي عناه القطبيون قد أبطلناه، ومقامنا الآن ليس من «فقههم» في شيء؛ بل هو فقه شرعي علمي أصيل، وهو الذي يشترط في العالم والمفتي -بلا مَثْنَوِيَّة-، و«المفتي» الذي نعنيه لم يخالف في «فقه الواقع» السياسي؛ بل في «فقه الواقع» الشرعي، فهو جاهل بظروف المسألة نفسها، أو مكابر لدلائل الواقع على الأرض، ولو أن القطبيين عَنَوْا هذه الصورة، أو دَنْدَنُوا حولها؛ لما كان معهم نزاع، ولا كان عليهم سبيل، ولو أنهم تكلموا في هذه الصورة الآن، وعابوا على من يقصِّر فيها من أهل الحق؛ لوجب قبول ذلك منهم؛ فإن الحق يُقبل من كل من جاء به، وإن كان كافرا، وإن كان إبليس نفسه.
والعلم الحق، والإنصاف الحق: أن نحرر مذاهب خصومنا، ومواطن النزاع معهم، ونميز ما فيها من حق -إن وُجد-، ونعترف لهم به، ونقبله ونعمل به، ونحن بذلك أولى وأحرى، ونعيذ أنفسنا وإخواننا بالله من الجهل، والظلم، والكبر، والعصبية، والمسلك الذي عابه ربنا على أهل الكتاب بقوله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ}.
فالعلمَ العلمَ! والبصيرةَ البصيرةَ! والإنصافَ الإنصافَ!
نسأل الله التسديد في القول والعمل، والنصرة على العدو، والتوفيق لأولي الأمر -علماء وأمراء-.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
كتبه
أبو حازم المصري
9/ربيع الآخر/1448