إبحث في الموقع
البحث في
عدد الزوار
انت الزائر :489632
[يتصفح الموقع حالياً [
الاعضاء :0الزوار :
تفاصيل المتواجدون

ومرة أخرى! ما لنا وللسياسة!

المقال
ومرة أخرى! ما لنا وللسياسة!
124 زائر
06-08-2022 08:37
أبو حازم القاهري السلفي

ومرة أخرى!

ما لنا وللسياسة؟!

لتحميل المقالة منسقة وبصيغة بي دي أف، اضغط هنا

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

أما بعد؛ فإن العبد الفقير كان قد كتب مقالا بعنوان: «ما لنا وللسياسة؟!»، هذه مقدمته:

«إن الدعوة السلفية المباركة قائمة على الاتباع، والعلم، والتصفية، والتربية، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

دعوة لا تجد فيها إلا كل خير، وكل ما فيه صلاح للخلق؛ وكيف لا تكون كذلك، وهي قائمة على الإيمان برب العالمين، واتباع ما جاء من عنده من البينات والهدى، التي من اتبعها؛ فلا يضل، ولا يشقى؟

ولمَّا كانت قضية الإمامة، والعلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ من أعظم القضايا التي تقوم عليها البشرية؛ كان لا بد أن يجد الإنسان في الوحي الشريف -ومن ثَمَّ: في الدعوة السلفية- ما يضبط هذه القضية، ويحقق فيها السداد والصلاح للخلق، بما يقبله كل عقل صريح، وكل فطرة سوية.

جاء الأمر عن الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بطاعة الحكام المسلمين، ولزوم جماعتهم، والالتفاف حولهم؛ إذ كانت لا تقوم مصالح الخلق إلا بذلك، فلا بد للناس من إمام، يقوم على أمورهم، ويضبط شئونهم، ويؤمِّن بلادهم وسُبُلهم؛ ولولا ذلك؛ لكانت الحياة فوضى لا تطاق، واضطرابا لا يُحتمل؛ ولما استقام للناس دين، ولا دنيا.

وجاء التقييد من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم بكون الطاعة في المعروف، الذي لا يخالف شرع الله عز وجل؛ إذ لا يصح -في الشرع، ولا العقل، ولا الفطرة- أن يطاع المخلوق في معصية الخالق؛ لما في ذلك من تقديم المخلوق على الخالق، وتقديم أمر المخلوق على أمر الخالق، بما يُذهب عظمة الخالق في نفوس الخلق، ويؤدي إلى الاستهانة بحدوده وأوامره، وهي الأصل، الذي تقوم به مصالح الخلق -من الأساس-، فلو تعارض أمر الحاكم مع أمر الله عز وجل؛ فالصلاح والنفع في أمر الله عز وجل وشرعه، مهما ادعى الحاكم أن مخالفته للشرع محققة لذلك.

وجاء النهي من الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم عن الخروج على الحكام، ونزع اليد من طاعتهم، ورفض إمارتهم؛ وإن حدثت منهم المعصية، وظهر الظلم، وأمروا بخلاف شرع الله عز وجل، وحكموا بغير ما أنزل الله عز وجل؛ إذ كان مستقرا في العقل، والفطرة، والتجربة: أن مفسدة الخروج عليهم أعظم من مفسدة ظلمهم، وأن الأمر كما قال السلف: «ستون سنة بإمام جائر: خير من ليلة واحدة بلا إمام».

وقد بيَّن لنا ربنا -سبحانه- بيانا شافيا: أن ظلم الرعاة من ظلم الرعية، وأنه -جل شأنه- يولِّي على الناس من يناسبهم، ومن يكون عمله من جنس عملهم: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾؛ وكان من الكلام المأثور المتوارَث: «أعمالُكم عُمَّالُكم»، «كما تكونوا يولَّى عليكم».

فإذا حصل الظلم والفساد من الحاكم؛ فلا يصح أن يقابَل بالخروج والمنازعة؛ لأن الناس -أصلا- فاسدون، فمهما سعوا في إزالة حاكمهم؛ فلن يأتيهم إلا من يناسب حالهم وفسادهم.

فلهذا أمرت الشريعة بالصبر على جور الأمراء، والرجوع إلى النفس بالتوبة والإصلاح، كما لخَّصه الإمام الحسن البصري رحمه الله بمقولته البليغة: «إن جور الملوك نقمة من نقم الله -تعالى-، وإن نقم الله لا تُسْتَدْفَعُ بالسيف، ولكن بالتوبة والإنابة».

فإذا أصلح الناس أنفسهم؛ أصلح الله لهم حكامهم، وهداهم إلى تحقيق العدل والاستقامة في حكمهم وقرارهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

وليس معنى ذلك السكوت عن المنكرات والمعاصي -نفسها-، بل يجب النهي عنها، وبيان ما فيها من المخالفة للصراط المستقيم؛ صيانة للشريعة من التبديل، ونصيحة للمسلمين، وقياما بفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ من غير تعرض لأشخاص الحكام، ولا تهييج عليهم؛ قياما بفريضة لزوم الجماعة، وترك الخروج والفساد.

هذه هي المعالم الرئيسية للموقف الشرعي من الحكام، كما جاءت به نصوص الوحي الشريف، وكما تدعو إليه الدعوة السلفية المباركة، بلا زيادة، ولا نقصان.

وكالعادة المطردة: لا بد من وقوع خلل في الفهم والتطبيق، ولا بد أن يقع من بعض حملة الحق أن ينسبوا إليه -بتأويلهم- أشياء، هي من قبيل الزيادة عليه، أو النقصان منه؛ كما قال التابعي العاقل مخلد بن الحسين رحمه الله: «ما ندب الله العباد إلى شيء، إلا نزع فيه الشيطان بأمرين، لا يبالي بأيهما ظفر: إما غلو فيه، وإما تقصير عنه».

فهذا أمر واقع لا بد منه في الخلق، وفي دعاة الحق، في كل زمان ومكان؛ إلا أنه لا بد من التنبيه عليه، وبيان ما فيه من الخطأ؛ حفظا للحق والشريعة من التبديل، ونصيحة للمسلمين، وبيانا لحقيقة الدعوة، بما يدفع عنها التهمة والريبة، المؤدِّيتَيْن إلى صد الناس عنها، وتنفيرهم منها» هذا آخر المقدمة.

قلت: قد نقلتُ تلك المقدمة -برُمَّتِها- في هذا الموضع؛ للحاجة إليها في معالجة الموضوع، الذي كتبتُ لأجله هذه المقالة.

وهذا الموضوع هو: «الثناء على الحكام».

وقد تناول بعض الفضلاء هذا الموضوع، مسوِّغًا الثناء على الحاكم -مطلقا-، وإن كان ظالما جائرا.

واحتج لذلك بما هو مقرر لدى أهل العلم والسنة من تعظيم الحاكم، وتوقيره، واحترامه.

وهذا التقرير -هكذا- خطأ، لا يُمترى ولا يُشتبه فيه.

فاعلم -هداني الله، وإياك- أن الصورة التي قررها أهل العلم تختلف عن الصورة محل النقاش؛ فإن التوقير لا يستلزم الثناء، بل الثناء قدر زائد عليه.

فالتوقير معناه: معاملة الحاكم باحترام وأدب، وعدم إهانته.

وأما الثناء؛ فهو الوصف بالمدح والجميل، نحو: أمير عادل، حاكم بطل، سلطان قدير، سياسيٌّ مُحَنَّك، ونحو ذلك.

فبمجرد هذا العرض: يتضح الفرق البيِّن بين الأمرين.

وحسبك مثالا: ما لو كان أحدنا عند الحاكم، وبحضرته؛ فهل يستوي خطابه بأدب، ومعاملته باحترام، واستعمال الأسلوب اللائق في ذلك؛ مع كَيْل المدح له، والثناء عليه، بنحو قول: ما أعدلك! ما أحكمك؟!

فالذي ينسب إلى طريقة أهل السنة، ومنهجهم في التعامل مع الحكام: أنهم يطلقون «المدح» و«الثناء» على حكام الجور؛ فقد جانب الصواب، وأخطأ الطريق.

ولا ينبغي أن ننسى أن من الطرائق الباطلة في الاستدلال: الاستدلال بالعمومات والمطلقات على صور خاصة أو مقيدة، لم يثبت بها دليل، ولم يجر عليها عمل السلف.

فمَنْ مِنَ السلف أثنى على الحجاج، أو غيره من أمراء الجور والغُشْم؟! ومشهورٌ -تماما- دخول الشعبي رحمه الله على الحجاج، وحسن مخاطبته له؛ أفكان في ذلك ثناء؟! أو خرج الشعبي من عنده يتلو قصائد المدح؟!

فإن قيل: وما المانع -أصلا- من الثناء على الحاكم الجائر؟

قلت: أصول الشريعة وقواعدها الظاهرة، في عدم الثناء على المخالفين للصراط المستقيم -مَنْ كانوا-؛ فإن الثناء إقرار وترويج وتحسين، لا يجوز أن يوضع في غير موضعه، وهذا في غاية الظهور.

فإن قيل: المقصود من الثناء: الرد على أهل البدع، الذين يكفِّرون الحاكم، أو يهيِّجون عليه.

قلت: لا يُرَدُّ الخطأ بالخطأ، كما أننا عندما نرد على الخوارج، الذين يكفِّرون العصاة، لا نقول: إنهم مؤمنون كاملو الإيمان!

فإن قيل: أرأيتَ إن كان الثناء على الإمام بما فيه من خير وإصابة؟

قلتُ: لا بد أن يكون ذلك مقيَّدًا محسوبا، من شخص حكيم عاقل، يحسن اختيار الألفاظ، ويراعي الواقع الذي يعيش فيه، ويوازن بين المصالح والمفاسد.

لا بد أن يكون ذلك مقيدا: كما لو كان الحاكم الظالم قد منع بعض مظاهر الفسق والفجور، أو قام بشيء من الإصلاحات الاقتصادية، أو أحسن التصرف في بعض المكايد السياسية أو العسكرية؛ فيقال: إنه قد أصاب وأحسن في هذه الأمور، هكذا بالتحديد والتقييد، مع الدعاء له بالتوفيق والتسديد، والفرق ظاهر بين هذا، وبين الثناء المطلق؛ فإن الحاكم الجائر قد غلب شَرُّه خَيْرَه، فليس موضعا للثناء المطلق، الذي لا يكون إلا لمن غلب خيرُه شرَّه، ولا يُفهم إلا على أنه تحسين لما عليه ذلك الشخص -بإطلاق-.

من شخص حكيم عاقل: فمن علم من نفسه -أو عُلم عنه- الرعونة، والطيش، والخِفَّة، والميل إلى الأمراء؛ لم يصلح له أن يتصدر لهذا المقام، وكان ما يفسد أكثر مما يصلح.

يراعي الواقع الذي يعيش فيه: فإذا كان الظلم هو الغالب، والفسق هو الفاشي، والضيق هو الظاهر، لا يعيش الناس في البلد غير ذلك، ولا يجدون لتلك المحاسن العارضة أثرا ملموسا في حياتهم ومعيشتهم؛ فليس من الشرع، ولا العقل، ولا الحكمة: أن نخاطبهم بما لا يُفهم منه إلا تحسين ذلك -بإطلاق-، وكأننا نقول: إن نفس ما تعانون منه هو الخير والعدل والرشاد!

يوازن بين المصالح والمفاسد: فلا شك أن مخاطبة الناس بالمدح المطلق، والصورةُ على ما وصفنا: تفتنهم، وتستفز مشاعرهم، وتهيِّجهم على الحاكم -وهو ما نَفِرُّ منه!-، وتصدهم عن الدعوة وأهلها، وترسِّخ ما يروِّجه أهل البدع عنا: من أننا علماء سلطان! وعملاء للحكام! نتلقى التوجيهات والتعليمات من الأجهزة الأمنية! وهذه المفاسد معلومة بالواقع المشاهَد، لا ينكرها إلا مُبَاهِتٌ.

فعلينا أن ننتبه -رعاكم الله-، ونجمع بين الشرع والواقع، ونلزم غرز سلفنا الصالح، وعلمائنا الأكابر، الذين لم يُعهد منهم أبدا تقحُّم هذه المعضلات والمشكلات.

نسأل الله أن يهدينا لما اختُلف فيه من الحق بإذنه، ويهدي قلوبنا، ويسدد ألسنتنا وأقلامنا، ويجعلنا عوامل بناء ونهضة للدعوة، لا معاول هدم لها، وتنفير عنها.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه

أبو حازم القاهري السلفي

السبت 8/محرم/1444

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي