إبحث في الموقع
البحث في
عدد الزوار
انت الزائر :414092
[يتصفح الموقع حالياً [
الاعضاء :0الزوار :
تفاصيل المتواجدون

08- الحلقة الثامنة: الخاتمة

المقال
08- الحلقة الثامنة: الخاتمة
369 زائر
26-05-2020 07:41
أبو حازم القاهري السلفي

أسباب المشكلات في الدعوة السلفية

(تكميل للمحاضرات التي تم إلقاؤها في هذا الموضوع)

(الحلقة الثامنة، وهي الأخيرة)

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

فهذا ختام حديثنا، وآخر موضوعنا؛ نسأل الله حسن الختام في كل شيء.

لقد تحدثتُ عن أسباب المشكلات والفتن في الدعوة السلفية، بحسب ما أمكنني، سواء كانت أمورا تعود إلى الجانب العلمي، أو الجانب الأخلاقي.

وقد كنت أختم مقالاتي السابقة بعبارة واحدة ثابتة، قلتُ فيها:

«عرفنا؛ فعلينا أن نلزم؛ وإلا؛ فالحجة علينا، والسؤال قادم، والمصير محتوم.

وسأعلنها لكم -واضحةً- في نهاية الكلام؛ فتربصوا!».

فهذا أوان المصارحة، والمكاشفة، والإعذار.

إن ما ذكرتُه من الأدواء والبلايا: لا يختلف فيه اثنان، ولا ينتطح فيه كبشان.

لا يماري فيه عاقل، ولا يتجاهله من يؤمن بالله واليوم الآخر، ولا يمرِّره من يريد بهذه الدعوة خيرا.

إن الحقيقة التي يجب أن تُعرف، وتُكشف:

أننا على أعتاب استبدال!!!

نعم! أقولها في كامل قُوَايَ العقلية!

إن ما ذكرتُه من البلايا: لا يمكن أن يؤهِّل لاستعمال وتمكين.

ما تمكنت تلك البلايا من جسد إلا أماتَتْه، ولا من أمة إلا أسقطتها.

سنةَ الله، لا تجد ولن تجد لها تبديلا.

واقرءوا التاريخ!

ولولا هذا؛ لنُسب الرب ۵ إلى الظلم والسفه؛ إذ كيف يمكِّن من عصاه؟! وأَنَّى يستعمل من خرج عن صراطه المستقيم؟!

لو حدث ذلك؛ لسارع الناس في معصية الله، وانتشر الفساد في الأرض؛ وحكمة الله تأبى ذلك.

ولهذا؛ اشترط الله الصلاح والتقوى للتمكين، كما استفاض في الكتاب المبين:

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾.

فهل ينصر الله من عصاه؟!

هل يؤيد من حادَّهُ؟!

هل يمكِّن لمن تعدى حدوده؟!

إن من أعظم تلبيس إبليس علينا: أنه حَسَّن لنا الاكتفاء بصحة المعتقد، وسلامة المنهج؛ حتى ظننا أن هذا هو كل شيء!

كل الإسلام!

كل السنة!

ظننا أن من نجاه الله من الشرك والبدع؛ فقد اتخذ عند الرحمن عهدا!

ولو كان أفسق الناس!!

أفهكذا الدين -يا قوم-؟!

أهكذا نظن أن يمكن لنا الله في الأرض، ويجعل لدعوتنا القبول والانتشار؟!

لا شك في أهمية التوحيد، والاعتقاد الصحيح؛ الأمر الذي شرَّف الله هذه الدعوة به، ومَنَّ علينا به؛ فليس عندنا -بحمد الله- شرك، ولا بدع؛ وتميَّزنا بهذا -بفضل الله- على الدعوات البدعية، والمناهج الحزبية.

ولكن هذا -وحده- لا يكفي.

أَبُعِثَ رسول الله ﷺ بهذا فقط؟!

أَسَادَ الأئمة بهذا فقط؟!

كلنا يعلم: لماذا حرص الأئمة في كتب السنة والاعتقاد على ذكر الآداب والأخلاق.

لكي يعلِّمونا أن السنة ليست اعتقادا فقط.

وأن التمكين لا يكون بالاعتقاد فقط.

كما أن العلم لا يُراد لنفسه، بل يُراد للعمل؛ وإلا كان حجة ووبالا على صاحبه.

أفلا ننتبه؟!

أفلا نعقل؟!

أفلا نتذكر؟!

سؤالٌ عظيم، مهم، خطير؛ يجب أن نتوقف عنده، وندرك جوابه:

لماذا لم يُمكَّن لنا، بعد سقوط أهل البدع؟!

كلنا يعلم حالهم، وحال دعوتهم، وما وقع لهم من السقوط والاستبدال.

وسأتكلم في واقع بلدي -على الأقل-:

معلوم لدى الصغير -قبل الكبير- كيف سيطر الحزبيون والقطبيون على مجريات الدعوة في بلادنا مصر -حفظها الله، وسائر بلاد الإسلام-.

كيف كان الناس لا يعرفون إلا «الإخوان»، و«التبليغ»، و«محمد حسان»، و«محمد يعقوب»، و«الحويني»، و«مدرسة الإسكندرية»، وأشكالهم.

كيف ملئوا القلوب، والأسماع، والأبصار؛ ولاسيما بعد ظهور الفضائيات، ودخولهم كل بيت مَدَرٍ ووَبَرٍ.

حتى وصل الأمر -قبيل تلك الثورة المشئومة- إلى كونهم معتبرين عند بعض الجهات العليا في البلاد.

ولا أنسى -أبدا- كيف كان محمد بن حسان يُدعى في بعض المحافل العامة، بحضور المحافظين، وبعض رجال الدولة؛ أو كيف كان بعضهم يحضر خُطَبَهُ.

حتى وقعت الثورة، وتكشفت الحقائق، وانتكس القوم، وارتكسوا، وعرف فسادَهم وضلالَهم كلُّ من له أدنى حظ من فهم وتمييز.

ومع سقوط دولة «الإخوان» -خاصة-: مُنعوا من الدعوة، وانفض عنهم أكثر الناس، ولا يكادون يظهرون إلا على فضائياتهم، وقد عُلم من حال الناس: أن مُتَابِعِيهم قَلُّوا جدًّا، وفقدوا الكثير من مكانتهم وتأثيرهم على الناس.

استبدال واضح! وسببه واضح!

والمتوقَّعُ: أن نكون نحن -أهل السنة- خلفاء لهم، بعد ما عرف الناس حقيقة دعوتنا، وتبينوا أن الحق معنا.

ولكن هذا لم يحدث! ولو بالقدر المطلوب -على الأقل-!

رغم ما مَنَّ الله به علينا من النصرة، التي لا نجحدها؛ إلا أننا لا زلنا بعيدين عن الناس!

لا زال أثرنا ضعيفا!

لا زالت دعوتنا غريبة!

قَارِنْ بين أثرنا، وأثرهم! مفازة عظيمة -يا عزيزي-!

بل في سياق التمكين -نفسه-: قَارِنْ بين ما وقع لنا، وما وقع للإمام أحمد بن حنبل $ -مثلا-.

كيف صار إمام الدنيا -بحق-!

كيف مُكِّن له -بصدق-!

فالسؤال أطرحه -كَرَّةً أخرى-:

لماذا لم يُمكَّن لنا، بعد سقوط أهل البدع؟!

والجواب ما أُراه يخفى عليك!

لا زلنا بعيدين عن التمكين!

وليت الأمر يقتصر على هذا: على دعوة قائمة -في الجملة-، ضعيفة التأثير!

بل نحن كما قلتُ، وأكرِّر، وأنا في كامل قُوَايَ العقلية:

على أعتاب استبدال!!!

انظر حولك جيدا!

تأمل! وانتبه!

ثم احكم -بصدق، وإنصاف-!

ولا تجامل!

ولا تتجاهل!

ولا تهرب من المواجهة، والاعتراف بالحقيقة!

انظر إلى ضعف دعوتنا!

انظر إلى انحدارها وتراجعها!

بفعلنا نحن!!

نعم! نحن الذين فعلنا هذا بالدعوة!!

بتفريطنا، وتقصيرنا، ومعصيتنا!

بأكل بعضنا لبعض! وإسقاط بعضنا لبعض!

فأما من كان الكلام فيه بحق؛ فهو الذي يبوء بالإثم، وتُعَصَّبُ به الجناية.

وأما من كان الكلام فيه بغير حق؛ فإنما الإثم والجناية على من تكلم فيه.

وصدق الإمام العلامة مقبل بن هادي الوادعي $، عندما قال قولته الشهيرة:

«ما نخاف على الدعوة إلا من أنفسنا».

لقد تحير الشباب، وتفرقوا، وأكل الشك والتهمة قلوبهم، وفقدوا الثقة في أهل العلم!

وأما من انتكس منهم عن المنهج؛ فلي حوارٌ معه، في مقال مستقل -إن شاء الله-.

هذا فضلا عن الآفة الكونية، التي اجتاحت العالم:

فيروس «كورونا»!

أنسيتم مصالحنا المعطلة؟!

أنسيتم مساجدنا المغلقة؟!

أنسيتم دعوتنا المتوقفة؟!

أهذا واقع أناس يُستعمَلون، أم يُستبدَلون؟!

والدين كما هو: عزيز، شامخ؛ يقيض الله له من يقيمه: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾.

فلا يحسبنَّ أحدنا أن له جميلا على الله، أو فضلا على الدين!

إذن:

لا بد من استدراك هذا الخطر المتفاقم، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؛ قبل غرق السفينة!

لقد وصفتُ الأدواء، ووصفتُ مع كل داء: دواءَه.

فلا بد أن نعمل، ونتحرك.

بدون تسويف!

بدون تفكير!

بدون حسابات!

يا قوم! اتقوا الله!

يا قوم! الدعوة في خطر!

يا قوم! إن رب العالمين لا يحابي أحدا!

يا قوم! إن الموت قادم! والعرض قادم! والحساب قادم! والمصير قادم!

ماذا سنقول لربنا ۵؟!

نعم؛ لا شك أن العلاج لا بد أن يكون بحكمة وصبر، لا بتحمُّس واندفاع؛ فإن الرفع أصعب من الدفع؛ وشرحُ هذا: أمر جليل جدا، لا يحتمله مقامي هذا.

وأضعف الإيمان: أن يعمل كل واحد منا في خاصة نفسه.

في خاصة أهله.

في خاصة إخوانه.

في خاصة تلامذته.

هذا أمر لا يمكن التسامح في تركه -أبدا-؛ فلئن كان المنكر في غيرنا، ولا قدرة لنا على تغييره إلا بمنكر أكبر، وفتنة لا تحتملها الدعوة؛ فما عذرنا في خاصة أمورنا، فيما نقدر عليه؟!

هذا هو مقام السعة، والتأصيل، والابتداء:

لا نخرج إلا الصالحين، الأتقياء، الراسخين في العلم.

لا نزكِّي إلا من استقام اعتقاده، وعلمه، وعمله.

لا نزيد السموم والأورام في جسد الدعوة.

لا نصدِّر من يكون عبئا علينا -بعد ذلك-، بأن نرى انحرافه، ونتغاضى عنه؛ حتى إذا فاحت رائحته العفنة؛ ضربنا أخماسا في أسداس! وقلنا: يا ليت ما جرى ما كان!

أمور عظيمة، تقع على كاهلنا -جميعا-، ونحن مسئولون عنها -جميعا-.

فخذوها بقوة -يا أهل السنة-!

لا تستهينوا بالأمر!

لا تعرضوا عن الإصلاح!

لا تتركوا سفينة الدعوة!

وإلا...!

فالحجة علينا، والسؤال قادم، والمصير محتوم.

اللهم بلغتُ! اللهم فاشهد!

﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

كتبه

أبو حازم القاهري السلفي

الأربعاء 27/رمضان/1441

لتحميل المقالة منسقة وبصيغة بي دي أف، اضغط هنا

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
المقال السابق
المقالات المتشابهة المقال التالي