إبحث في الموقع
البحث في
عدد الزوار
انت الزائر :327130
[يتصفح الموقع حالياً [ 35
الاعضاء :0الزوار :35
تفاصيل المتواجدون

الموقف السلفي المنضبط من قضية الشيخ سالم الطويل

المقال
الموقف السلفي المنضبط من قضية الشيخ سالم الطويل
8869 زائر
20/10/2012
أبو حازم القاهري السلفي

الموقف السلفي المنضبط

من قضية الشيخ سالم الطويل

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ صلَّى الله عليه وعلى آله، وسلَّم تسليما كثيرا.

أما بعد؛ فإن ((المُرْصَدين للعلم عليهم للأمة حفظ علم الدين وتبليغه؛ فإذا لم يبلغوهم علم الدين، أو ضيعوا حفظه؛ كان ذلك من أعظم الظلم للمسلمين؛ ولهذا قال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}؛ فإن ضرر كتمانهم تعدى إلى البهائم وغيرها، فلعنهم اللاعنون -حتى البهائم-، كما أن معلم الخير يصلي عليه الله وملائكته، ويستغفر له كل شيء -حتى الحيتان في جوف البحر، والطير في جو السماء-.

وكذلك كذبهم في العلم من أعظم الظلم، وكذلك إظهارهم للمعاصي والبدع التي تمنع الثقة بأقوالهم، وتصرف القلوب عن اتباعهم، وتقتضي متابعة الناس لهم فيها؛ هي من أعظم الظلم، ويستحقون من الذم والعقوبة عليها ما لا يستحقه من أظهر الكذب والمعاصي والبدع من غيرهم؛ لأن إظهار غير العالم -وإن كان فيه نوع ضرر- فليس هو مثل العالم في الضرر الذي يمنع ظهور الحق، ويوجب ظهور الباطل؛ فإن إظهار هؤلاء للفجور والبدع بمنزلة إعراض المقاتلة عن الجهاد ودفع العدو؛ ليس هو مثل إعراض آحاد المقاتلة؛ لما في ذلك من الضرر العظيم على المسلمين.

فترك أهل العلم لتبليغ الدين كترك أهل القتال للجهاد، وترك أهل القتال للقتال الواجب عليهم كترك أهل العلم للتبليغ الواجب عليهم: كلاهما ذنب عظيم، وليس هو مثل ترك ما تحتاج الأمة إليه -مما هو مُفَوَّض إليهم-؛ فإن ترك هذا أعظم من ترك أداء المال الواجب إلى مستحقه.

وما يظهرونه من البدع والمعاصي التي تمنع قبول قولهم، وتدعو النفوس إلى موافقتهم، وتمنعهم -وغيرَهم- من إظهار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أشد ضررا للأمة وضررا عليهم من إظهار غيرهم لذلك؛ ولهذا جبل الله قلوب الأمة على أنها تستعظم جبن الجندي وفشله وتركه للجهاد ومعاونته للعدو: أكثر مما تستعظمه من غيره، وتستعظم إظهار العالم الفسوق والبدع: أكثر مما تستعظم ذلك من غيره؛ بخلاف فسوق الجندي وظلمه وفاحشته، وبخلاف قعود العالم عن الجهاد بالبدن، ومثل ذلك: ولاة الأمور -كل بحسبه- من الوالي والقاضي؛ فإن تفريط أحدهم فيما عليه رعايته من مصالح الأمة، أو فِعْلَ ضد ذلك من العدوان عليهم: يستعظم أعظم مما يستعظم ذنب يخص أحدهم))[1].

فبان بذلك: عِظَمُ البلية بانحراف المتصدرين للعلم والدعوة، وشدةُ الفتنة بذلك على الدعوة وأهلها.

وقد تابع السلفيون -في الآونة الأخيرة- ما أُثير حول الشيخ سالم الطويل -عفا الله عنا وعنه-، وما نُقل عنه من الكلام السيئ بشأن جمعية ((إحياء التراث)) البِدْعية، والتزهيد في النقد والردود، ونحو ذلك[2].

والواقع أن هذا ليس جديدا على الدعوة -مع عميق الأسف-، فصورة الشيخ سالم تكرار واجْتِرار لصور سابقة معروفة!!

والمؤسف -حقا- في كل ذلك: التفرق والاختلاف المتكرران بين السلفيين، وكأنهم لا يتعلمون من تجربة، ولا يعتبرون بواقع، ولا يعرفون الثوابت المنهجية الرئيسية في هذه المواقف!!

فأحببتُ أن أكتب هذه الكلمة، مذكِّراً بالثوابت المشار إليها؛ عسى أن يحصل النفع بها -إن شاء الله-، وهي واردة في جميع المواقف والفتن المشابهة[3]:

* أولا: معرفة المعروف وإنكار المنكر:

هذا هو أول واجب في الفتن -عموما-، ومنها: ما نحن بصَدَدِه؛ فإذا وقع شخص في أمر، وتفرق الناس في ذلك؛ فالواجب -ابتداء-: تحرير الأمر الذي وقع فيه، والنظر: أَهُوَ حق أم باطل، فإن كان حقا؛ قُبِل، وإن كان باطلا؛ رُدَّ.

والمعوَّل -في معرفة ذلك- على العلم والتأصيل، واتباع الحجة والدليل، وتحكيمهما على كل قول أو رأي أو مذهب، وتسليطهما على كل نزاع واختلاف.

وتحقيق ذلك في مسألتنا يحصل بالنظر فيما وقع فيه الشيخ سالم، فقوله بعدم تبديع الجمعية المذكورة آنفا -وإن كان له ردود عليها-[4]: باطل محض؛ فإن الجمعية تضم من التكفيريين والقطبيين والحزبيين والسياسيين وغيرهم: مَنْ لا يخفى أمرهم على أحد، وكفى بتولِّيهم لعبد الرحمن بن عبد الخالق مَثَلاً؛ فكيف لا يُبدَّع ما كانت هذه صفته؟! لاسيما وأن هذه الجمعية قد تحزَّبت على فواقرها هذه، وأحدثت بين السلفيين من التفرق والفتن: ما لا يخفى على أحد، وقد فرغ أهل العلم من بيان ذلك -منذ سنين عددا-، حتى صار من المحفوظات عند صغار الطلبة السلفيين؛ فما وجه إثارته -الآن-؟!

وقوله -أصلحه الله- بذم الإكثار من الردود، وأنه لا يزيد في الإيمان[5]: باطل فاحش قبيح، وكأنه لا يعرف أن مِنْ علماء الأمة مَنْ تفرغ للجرح والتعديل، لا يكاد يُعرَف عنهم كلام في غيره، وأي عيب في الإكثار من التحذير عن الباطل وأهله -ما دام لم يشغل عما هو أوجب منه-؟! وكيف لا يُعَدُّ ذلك زيادة في الإيمان؟!!

هذا هو أشهر ما أُخِذ على الشيخ[6]، والباطل فيه بيِّنٌ -كما ترى-؛ بل إني لأعجب من صدوره عن مثله، والله المستعان.

فلابد من معرفة هذا -ابتداء-: أن أقوال الشيخ هذه باطلة، لا يحل لأحد أن يقول بها، أو يحسِّنها، أو يدعو إليها، ولا التفات إلى قول أحد أو رأيه -بخلاف ذلك-.

* ثانيا: الرد -في جانب الحكم على الأعيان- إلى العلماء العارفين:

وهذه قاعدة معروفة: أن مسائل الأسماء والأحكام لا يتكلم فيها إلا العلماء الأعلام، ومن أسباب ذلك: أن هذه المسائل من باب العقوبات، الخاضعة للنظر في المصالح والمفاسد، والعلماء أدرى منا بذلك، وأَمَسُّ بواقع المسألة وظروفها، فقد يقع الرجل في بدعة، ولا يبدعه العلماء؛ اعتبارا بما قد يحصل له من مناصحة ومراجعة -عسى أن ينزع عن مخالفته-، أو غير ذلك من الأمور التي لا تتبين لنا.

وهذا لا علاقة له -أبدا- بما سبق بيانه من معرفة الباطل -في نفسه- والتحذير منه، فالسكوت عن التبديع لا يعني السكوت عن التخطئة؛ فتنبه.

وعليه؛ فالقول بتخطئة الشيخ سالم فيما قاله، والتحذير منه: واجب لا محيص عنه، وأما القول في تبديعه وإخراجه عن السنة؛ فمُوكَل إلى العلماء، لا يحل التقدم عليهم في ذلك.

* ثالثا: ذم التعصب للرجال على حساب الحق:

ومع وضوح هذا الأمر الجليل -لاسيما عند السلفيين-؛ إلا أن كثيرا منهم يقعون فيه؛ لغلبة الجهل والأهواء والعواطف، وعدم الاعتصام الحق بالحجج والآيات الشرعية، وهذا داء غالب على الناس -إلا من رحم الله، وقليل ما هم-، وما أحسن ما قال الإمام أبو عبد الله بن بطة -رحمه الله-: ((والناس -في زماننا هذا- كأسراب كالطير، يتبع بعضهم بعضا، لو ظهر لهم من يدعي النبوة -مع علمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء-، أو من يدعي الربوبية؛ لوجد على ذلك أتباعا وأشياعا)) اهـ[7].

فلا تكاد تنتقد شخصا إلا ويظهر من يتعصب له، ويذب عنه -بالباطل-، ويرد ما قيل فيه -بالحق-، وهؤلاء لهم نصيب من قول الله -عز وجل-: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ }[8].

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: ((فعلى الإنسان أن يصدق بالحق الذي يقوله غيره -كما يصدق بالحق الذي يقوله هو-، ليس له أن يؤمن بمعنى آية استدل بها، ويرد معنى آية استدل بها مناظره، ولا أن يقبل الحق من طائفة، ويرده من طائفة أخرى.

ولهذا قال -تعالى-: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (32) وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}، فذم -سبحانه- من كَذَب أو كَذَّب بحق، ولم يمدح إلا من صَدَق وصَدَّق بالحق، فلو صدَق الإنسان فيما يقوله، ولم يصدِّق بالحق الذي يقوله غيره؛ لم يكن ممدوحاً، حتى يكون ممن يجيء بالصدق ويصدِّق به، فأولئك هم المتقون)) اهـ[9].

فلْيتق اللهَ أناسٌ لا يحسنون إلا التعصب للرجال، وإذا انتقدهم أحد؛ وَسَمُوه بالغلو والتعدِّي، مع أنه لم يكن كذلك -عندهم- قبل انتقاده لمتبوعهم!!

إن شأنهم -واللهِ- لعجيب! يبادرون إلى التعصب قبل التمحيص والتبيُّن، فلا يمنحون أنفسهم فرصة لتحقيق ما أُخذ على كبرائهم: أَحَقٌّ هو أم باطل!! وأمثالهم يُخشَى عليهم ألا يكون لهم عذر عند ربهم؛ فإن الله أمر باتباع الحق -وحده-، والتجرد لطلبه ومعرفته، ونهانا أن نتبع من دونه أولياء، أو نقدم عليه شيئا دونه.

فمن تعصب لشخص -الشيخ سالم أو غيره-؛ خُوطب بالحجة، وأُلزم بها، ونُهِيَ عن مشايعته، أو مشايعة من يشايعه -جهلاً أو عصبيةً أو غير ذلك-.

هذه هي الضوابط الأساسية، التي يجب التمسك بها في مثل موقفنا هذا؛ حتى يزول ما بيننا من التفرق والاختلاف، ونحقق الاتباع الصادق للحق والمنهج، وإلا؛ فلا يلومنَّ أحد إلا نفسه.

نسأل الله أن يأخذ بنواصينا إليه، ويهدينا إلى حسن الاتباع والاعتصام، ويجنبنا الهوى والعصبية.

وصلى الله على محمد وآله، وسلم تسليما كثيرا.

كتبه

أبو حازم القاهري السلفي

السبت/4/ذو الحجة/1433




[1] ما بين القوسين: من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في ((مجموع الفتاوى)) (28/187-189).

[2] ردُّ الشيخ أحمد بازمول عليه في ذلك: هو الأشهر، وهناك مقالات فُصِّل فيها النقل عنه فيما ذكرتُه، وكل ذلك منشور على شبكة ((الورقات)) السلفية، وغيرها.

[3] وما سأذكره هنا: تطبيق لما نظَّرتُ له في مقالي: ((الصبر على المخالف بين الإفراط والتفريط))، فيحسن الاطلاع عليه قبل مقالي هذا، وهو منشور على الموقع، مع مقالات أخرى ذات صلة.

[4] قال -بصوته-: ((يمكن ((إحياء التراث)) يدافعون عن أنفسهم، ويقولون: لا، نحن لسنا مبتدعة؛ هذا حقهم، وإذا أنا قلت هذا؛ ما أصير من المبتدعة؛ هذا تديُّناً، مو علشان ((إحياء التراث)) يريدون تضبيطي بشيء، أو لأني من ربعهم؛ لا، ولكن هذا دين)).

والكلام منقول في مقال لإبراهيم بن رجا الشمري بعنوان: ((هل الشيخ سالم الطويل يبدع جمعية إحياء التراث؟))، وهو منشور على شبكة ((الورقات)).

[5] قال -بصوته-: ((تعال يا أخي: محمد العنجري، أنت ماذا عندك؟! أنت لا تعلم، ولا أنت تدرس، ولا أنت تكتب مقالات؛ فقط: فلان! فلان! فلان! أيش هذا؟! وماذا بعد؟! هذا لا يزيد في الإيمان!!)).

وهذا منقول في مقال آخر للشمري بعنوان: ((هل الشيخ سالم الطويل يخذِّل السلفيين عن الرد على المتحزِّبة؟))، وهو منشور على ((الورقات)) -أيضا-.

[6] وسائره موجود فيما أحلتُ عليه من الردود والمقالات.

[7] ((الإبانة)) (1/227).

[8] الزمر: 32.

[9] ((درء التعارض)) (8/404).

لتحميل المقالة منسقة وبصيغة بي دي إف، اضغط هنا

   طباعة 
0 صوت
روابط ذات صلة
 
4055